تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يضرب مثلاً عقلياً صاعقاً يبطل به الشرك من واقع معاملات الناس؛ والمعنى: والله سبحانه بحكمته فاوت بينكم أيها الناس في الأرزاق والأموال؛ فجعل منكم غنياً وموسراً، وجعل منكم فقيراً ومملوكاً خادماً؛ فما هؤلاء السادة الأغنياء الذين فضلهم الله بالمال بمانحين عبيدهم ومماليكهم أموالهم حتى يساووهم في الملك والتصرف، بل يستنكفون أن يكون عبيدهم شركاء لهم في أموالهم وتجاراتهم على السواء؛ فإذا كنتم لا ترضون أن يشارككم عبيدكم ومماليككم فيما رزقكم الله، فكيف تجعلون لله سبحانه من خلقه وعبيده شركاء وأنداداً وتعبدونهم معه؟! أفبهذه النعمة الإلهية يجحدون ويشركون به غيره؟!
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذا مثل حاسم ضربه الله للمشركين، كقوله في سورة الروم: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}؛ فبين سبحانه جهل المشركين وسفاهتهم؛ فهم يأنفون أن يقاسمهم مماليكهم أموالهم، ثم يذهبون فيجعلون عبيد الله وخلقه شركاء له في ملكه وألوهيته، وهذا غاية التناقض والظلم والجحود لنعمة الله.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) حكمة تفاوت الأرزاق بين الخلق؛ فالله تعالى قسم المعايش لتقوم مصالح الكون بالتعاون والتسخير؛ كما قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا}؛ والآية برهان إلزام على المشركين بانتفاء صحة الشرك وفق منطقهم الذاتي.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن تفاوت الرزق سنة ربانية اقتضتها الحكمة الإلهية في الابتلاء؛ ثم استدل بهذا الواقع على توحيد الألوهية؛ فالسيد لا يرضى أن يسوي مملوكه بنفسه في ماله، فكيف يسوي المخلوق المربوب العاجز برب الأرباب وخالق الوجود في العبادة؟! فهذا جحود صريح للنعمة العظمى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
فَضَّلَ: التفضيل إعطاء الزيادة والرجحان في النصيب والقدر.
بِرَادِّي: جمع رادّ، ورد الشيء إعطاؤه وصرفه ودفعه للغير.
مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ: المماليك والعبيد والإماء، وعبر باليمين لأنها آلة القبض والملك والعهد.
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا: الفاء للتفريع، «مَا» نافية، «الَّذِينَ» اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، وجملة «فُضِّلُوا» صلة الموصول لا محل لها والواو نائب فاعل.
بِرَادِّي رِزْقِهِمْ: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، «رَادِّي» خبر المبتدأ مجرور لفظاً بالياء لأنه جمع مذكر سالم وحذفت النون للإضافة، وهو مرفوع محلاً؛ «رِزْقِهِمْ» مضاف إليه مجرور، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ: الفاء عاطفة أو سببية، «هُمْ» مبتدأ، «فِيهِ» متعلق بـ«سَوَاءٌ»، «سَوَاءٌ» خبر المبتدأ مرفوع بالضمة والجملة معطوفة على المنفي (أي فلا يردون رزقهم فلا يكونون متساوين).
أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، الفاء عاطفة على مقدر، «بِنِعْمَةِ» جار ومجرور متعلق بـ«يَجْحَدُونَ» وقُدم لإفادة القصر والتشنيع، «اللَّهِ» مضاف إليه مجرور.
يَجْحَدُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد بيان التفاوت الحتمي بين البشر في الأعمار والقوى في الآية (70)، بينت هذه الآية التفاوت في الأرزاق والأموال؛ لتكتمل صورة التسخير الإلهي والابتلاء البشري في الأنفس والأموال، وجاء المثل مقتبساً من هذا الواقع لإسقاط الشرك بحجة قطعية ملزمة.
التشنيع في ختام الآية بالاستفهام الإنكاري: جاء قوله: {أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} صاعقاً؛ فبدل أن يشكروا الله الذي رباهم وفضل بعضهم بالرزق وسخر لهم المماليك، جحدوا نعمته وصرفوا العبادة للمخلوقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الفروق الطبقية ولماذا فاضل الله بين الناس في الرزق؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
لو تساوى الناس جميعاً في الغنى المطلق لما خدم أحد أحداً، ولتعطلت عمارة الأرض والصنائع والزراعة والبناء؛ لأن الحاجة هي الدافع البشري للعمل وتبادل المنافع.
التفاوت في الرزق ليس علامة على محبة الله للغني أو كراهيته للفقير؛ بل هو ميدان ابتلاء وامتحان: ابتلاء للغني بالشكر والإنفاق والعدل، وابتلاء للفقير بالصبر والتعفف والعمل؛ قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}.
الإسلام شرع الزكاة والصدقات والعدالة الاجتماعية لتضييق الفجوات، ولم يدع الفقير ضائعاً، لكنه أبقى على التفاوت التكويني لحفظ حركة الحياة وعمارتها.
ضرب المثل بالواقع الاجتماعي المعاش {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}؛ لإلزام الخصم بما يقر به عقلاً وسلوكاً ويستنكف من ضده.
تأكيد نفي رد الرزق بالباء الزائدة في {بِرَادِّي}؛ لإبراز استحالة أن يتنازل السيد عن ماله ليصير مساوياً لمملوكه.
تقديم الجار والمجرور في {أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} للتعجيب البالغ والإنكار؛ فالنعمة تقتضي الاعتراف والشكر، ومقابلتها بالجحود شذوذ وقبح عقلي وأخلاقي.
الإشارة والتدبر الإيماني: الغنى والفقر عوارض دنيوية، والكرامة الحقيقية عند الله بالتقوى والعمل الصالح؛ فالسيد والمملوك عبيد لله يقفون غداً بين يديه حفاة عراة لا تفاضل بينهم إلا بطهارة القلوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ قناعة الرضا بالقسمة الإلهية مع بذل الجهد في التكسب الحلال؛ فاليقين بأن الرزاق هو الله يقطع دابر الحسد والشحناء بين أفراد المجتمع.
التطبيق العملي: أداء حقوق الأموال من زكاة وصدقات وإكرام الخدم والعمال والرفق بهم في المعاملة؛ امتثالاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم: «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ».
الوجدان الإيماني: كمال الإخلاص والتوحيد لله المنعم المتفرد، والبراءة من كل شرك ونقص يُنسب لجلال رب العالمين.