تفسير الطبري (جامع البيان): يروي الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ...} الآية»، وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا تلا هذه الآية وقف عندها وقال: «إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة؛ فوالله ما ترك العدل والإحسان شيئاً من طاعة الله إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي شيئاً من معصية الله إلا جمعه»؛ والمعنى: إن الله يأمر بالإنصاف والتوحيد وأداء الفرائض (وهو العدل)، وبالتفضل والزيادة في الطاعات ومكارم الأخلاق (وهو الإحسان)، وبصلة الأرحام وتعهدهم بالبر والصلة؛ وينهى عن قبائح الذنوب والمعاصي التي تعظم في النفوس (وهي الفحشاء)، وعن كل ما تنكره الشريعة والعقول الفطرية، وعن الكبر والاستطالة والظلم على الناس (وهو البغي)؛ يذكركم بعواقب الأمور لعلكم تتعظون.
تفسير ابن كثير: يروي الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) قصة إسلام عثمان بن مظعون رضي الله عنه وسبب استقرار الإيمان في قلبه؛ حين كان جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه الوحي فقرأ عليه هذه الآية، قال عثمان: «فذاك حين استقر الإيمان في قلبي، وتلوتها على أبي طالب فعجب منها وقال: يا ابن أخي، اتبع محمداً تفلح، فوالله لقد ندبكم إلى مكارم الأخلاق»؛ كما يروي أن أكثم بن صيفي حكيم العرب لما سمع هذه الآية قال لقومه: «يا قوم، إن هذا الرجل يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساً ولا تكونوا فيه أذناباً».
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعاني الفقهية والقواعد الكلية المتضمنة في الآية؛ فبين أن «العدل» يشمل التوحيد وأداء الواجبات، و«الإحسان» نافلة الطاعات والعفو والصفح، و«إيتاء ذي القربى» تخصيص للرحم لمزيد أهميته؛ ثم قابل الثلاثة المأمور بها بثلاثة منهي عنها: «الفحشاء» وهي كبائر المحرمات كالزنا، و«المنكر» كل ما أنكره الشرع من البدع والفسوق، و«البغي» مجاوزة الحد والظلم والتطاول على الخلق؛ فجمعت الآية أصول القانون الأخلاقي والتشريعي في الإسلام.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية ميزان كامل لمعرفة محاسن الدين الإسلامي؛ فما من خير إلا والعدل والإحسان يدخل تحته، وما من شر وفساد إلا والفحشاء والمنكر والبغي مستوعب له؛ فلو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لكفت دليلاً على أنه تنزيل من حكيم حميد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
بِالْعَدْلِ: العدل ضد الجور، وهو التسوية بين الأمور ووضع كل شيء في موضعه اللائق شرعاً وعقلاً.
الْإِحْسَانِ: مصدر أحسن، وهو بذل الفضل والنفع وإتقان العمل والتفضل بما زاد على الواجب.
الْفَحْشَاءِ: ما عظم قبحه وتجاوز الحد من الأقوال والأفعال كالزنا والبخل الفاحش.
الْمُنكَرِ: ما ينكره العقل السليم وتأباه الشريعة المطهرة ويحكم بقبحه.
الْبَغْيِ: مجاوزة الحد في الظلم والاعتداء والاستطالة على الناس بغير حق.
التوجيه الإعرابي:
إِنَّ اللَّهَ: «إِنَّ» حرف توكيد ونصب، «اللَّهَ» لفظ الجلالة اسمها منصوب بالفتحة.
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر إن، «بِالْعَدْلِ» متعلق بـ«يَأْمُرُ».
وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ: معطوفان على العدل مجروران بالكسرة، و«إِيتَاءِ» مضاف.
ذِي الْقُرْبَىٰ: «ذِي» مضاف إليه مجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة، «الْقُرْبَىٰ» مضاف إليه ثانٍ مجرور بكسرة مقدرة للتعذر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: جاءت هذه الآية بمثابة التطبيق العملي والنموذج الحي لقوله تعالى في الآية السابقة (89): {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ}؛ فبعد أن قرر أن القرآن تبيان لكل شيء، ساق هذه الآية الجامعة التي اختصرت كل مبادئ الأخلاق والعدالة والتشريع الإنساني في ست كلمات (ثلاثة أوامر وثلاثة نواهٍ)؛ ليرى العالم عياناً كيف يكون القرآن تبياناً لكل شيء في سطر واحد!
التقابل الثلاثي الإعجازي:
في جانب البناء والفضائل: العدل (الواجب)، الإحسان (المستحب)، إيتاء ذي القربى (الصلة الخاصة).
في جانب الهدم والرذائل: الفحشاء (الشر الذاتي المستقبح)، المنكر (الشر الظاهر المخالف للشرع)، البغي (الشر المتعدي بالظلم والعدوان).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا خص «إيتاء ذي القربى» بالذكر وهو داخل تحت العدل والإحسان؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
هذا من باب «عطف الخاص على العام» لشرفه ومزيد العناية به؛ لأن القرابة أولى الناس بالإحسان، وبصلاح الأسرة والقرابة يصلح المجتمع كله؛ ولأن كثيراً من الناس قد يحسن للبعيد مباهاة ورياءً ويفرط في القريب؛ فنص على القرابة لقطع هذا الخلل الأخلاقي.
وكذلك تخصيص «البغي» في جانب النواهي بعد الفحشاء والمنكر؛ لأن البغي استطالة وظلم متعدٍ يسفك الدماء ويخرب العمران ويهلك الدول؛ فخص بالذكر لعظم خطره وسرعة عقوبة الله لباغيه في الدنيا قبل الآخرة.
تصدير الآية بـ{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ}؛ لإسناد الأمر إلى الله مباشرة، ليعلم المخاطب أن هذه الأخلاق ليست مجرد تقاليد بشرية أو أعراف اجتماعية تقبل التبديل، بل هي تشريع رباني مقدس ملزم لكل مؤمن.
الإيجاز الإعجازي المطلق؛ حيث جمعت الآية جميع مأمورات الشريعة ومحظوراتها في ستة ألفاظ محكمة، وهو غاية الإيجاز في البلاغة العربية.
الختام التذكيري بـ{يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}؛ المشعر بأن هذه الأوامر والنواهي مركوزة في الفطر السليمة، وما جاء الوحي إلا ليوقظها ويذكر بها.
الإشارة والتدبر الإيماني: كمال محاسن الإسلام؛ ما أمر الإسلام بشيء فقال العقل السليم: «ليته نهى عنه»، وما نهى عن شيء فقال العقل السليم: «ليته أمر به»؛ بل جاءت كل أوامره ونواهيه متطابقة مع مقتضيات العقل والعدل والرحمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: بناء المجتمع الفاضل على ركائز العدل في القضاء والمعاملات، والإحسان في القول والعمل، والتكافل الأسري، واستئصال شأفة الفواحش والمنكرات والظلم.
التطبيق العملي: مراقبة النفس في تحقيق العدل مع الموافق والمخالف، والإحسان إلى الوالدين والأرحام والجيران، ومجانبة البغي والاعتداء في الخصومات.
الوجدان الإيماني: الامتلاء بالفخر والاعتزاز بهذا الدين العظيم وتشريعاته السامية التي تبهر العقول وتصلح البشرية وتفيض بالأمن والسلام.