تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يلفت أنظار العباد إلى أعظم معجزات الخلق والتكوين الحيوي في بهيمة الأنعام؛ والمعنى: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم لدلالة وعظة معتبرة تدلكم على قدرة صانعها وتفرده بالألوهية؛ نسقيكم من الشراب الخارج مما في بطونه؛ يخرج بقدرة الله من بين فرث (وهو ثفل الطعام والرجيع المستقر في الكرش) ومن بين دم يجري في العروق، لبناً أبيض نقياً صافياً لا تشوبه حمرة الدم ولا قذارة الفرث ولا ريحه، خالصاً لا كدر فيه، سائغاً لذيذاً سهلاً يجري في الحلق شهياً لكل من شربه.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) دقة هذا الإعجاز الخالق؛ فالحيوان يأكل العلف فيستقر في كرشه، فإذا هضم انقسم إلى ثلاثة أقسام: فقسم يستحيل فرثاً ينزل إلى أسفل، وقسم يستحيل دماً يجري في العروق ويغذي البدن، وقسم يستخلصه الله بقدرته الباهرة لبناً خالصاً يخرج إلى الضرع؛ لا يختلط الدم باللبن فيحمره، ولا يختلط الفرث باللبن فيقذره برائحته، بل يخرج لبناً طيباً نافعاً سائغاً؛ فسبحان اللطيف الخبير القادر على كل شيء.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يورد القرطبي (ت 671 هـ) استدلال الفقهاء بهذه الآية على طهارة اللبن وطهارة أصله؛ ويبين المعنى اللغوي لـ«السائغ» وهو الذي ينحدر في الحلق بسهولة وسلاسة للذته وحلاوته؛ ويشير إلى أنه لم يغص أحد قط باللبن لكونه سائغاً بنص القرآن. ويناقش القرطبي تذكير الضمير في قوله: {مِمَّا فِي بُطُونِهِ} مع أن الأنعام جمع، مبيناً أنه يعود على لفظ «النعَم» أو على «الجنس» أو على «ما ذُكر من الأنعام».
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذا المشهد من أعظم الأدلة على كمال القدرة والرحمة؛ فاستخلاص هذا اللبن الأبيض الصافي اللذيذ المغذي من بين مادتين مستقذرتين في الباطن (الدم النجس والفرث القذر) دليل قاطع على أن مصرف الكون حكيم عليم لا يعجزه شيء، يستحق وحده العبادة والحمد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
لَعِبْرَةً: العبرة من العبور، وهو الانتقال من معرفة الشيء المشاهد إلى معرفة ما وراءه من عظمة الصانع وحكمته.
فَرْثٍ: الفرث هو السرج والرجيع ما دام في الكرش والأمعاء، فإذا خرج سُمي روثاً وزبلاً.
خَالِصًا: الخلوص النقاء والصفاء من كل شائبة وغبش ومخالطة لغيره.
سَائِغًا: من ساغ الشراب يسوغ سوغاً إذا سهل مروره وانحداره في الحلق للذته وعذوبته.
القراءات وضبط التوجيه:
قراءة نافع وابن عامر وعاصم: {نُّسْقِيكُم} بضم النون من الفعل الرباعي «أسقى».
قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي: {نَسْقِيكُم} بفتح النون من الفعل الثلاثي «سقى»، وكلاهما لغتان فصيحتان في الإرواء والإنعام بالماء واللبن.
التوجيه الإعرابي:
وَإِنَّ لَكُمْ: الواو عاطفة أو استئنافية، «إِنَّ» حرف توكيد ونصب، «لَكُمْ» جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إن مقدم.
فِي الْأَنْعَامِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «عِبْرَةً» أو متعلق بالخبر المحذوف.
لَعِبْرَةً: اللام المزحلقة، «عِبْرَةً» اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة.
نُّسْقِيكُم: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والكاف ضمير مفعول به أول والميم للجمع، والجملة مستأنفة أو مفسرة للعبرة لا محل لها من الإعراب.
مِمَّا فِي بُطُونِهِ: «مِنْ» تبعيضية أو ابتدائية، «مَا» اسم موصول مبني في محل جر، «فِي بُطُونِهِ» جار ومجرور صلة الموصول لا محل لها، والهاء مضاف إليه تعود على «الأنعام» باعتبارها جنساً أو على «النعم».
مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «لَّبَنًا»، «فَرْثٍ» مضاف إليه مجرور، الواو عاطفة، «دَمٍ» معطوف مجرور.
لَّبَنًا: مفعول به ثانٍ للفعل «نُّسْقِيكُم» منصوب بالفتحة الظاهرة.
خَالِصًا: نعت أول لـ«لَّبَنًا» منصوب بالفتحة.
سَائِغًا: نعت ثانٍ منصوب بالفتحة.
لِّلشَّارِبِينَ: جار ومجرور متعلق بـ«سَائِغًا»، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد ذكر نعمة إنزال الماء من السماء لإحياء الأرض، انتقل إلى النعمة الأرضية الحيوانية المقيمة مع البشر في بيوتهم ومراعيهم؛ وهي بهيمة الأنعام؛ ليريهم دليلاً حيوياً باهراً ينبع من أجساد تلك الحيوانات ليكون غذاءً ودواءً وقوة.
التناسب الدقيق في عود الضمير المذكر {بُطُونِهِ}: أفرده وذكره هنا مراعاة للفظ «النَّعَم» (لأن الأنعام جمع نَعَم وهو مذكر)، بينما في سورة المؤمنون قال: {نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} بالتأنيث مراعاة للفظ «الأنعام»؛ فنوع الأسلوب القرآني المعجز بين الحمل على اللفظ تارة والحمل على المعنى تارة أخرى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة كيف يخرج اللبن النقي من بين الفرث النجس والدم المحرم؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
هذه الآية تمثل معجزة علمية حيوية أثبتها علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا) الحديث بعد أربعة عشر قرناً؛ فالغذاء يتحول في القناة الهضمية إلى كيموس (فرث)، وتمتص الأمعاء الدقيقة العناصر الغذائية وتدفعها إلى تيار الدم في العروق، ثم تمر الأوعية الدموية الشعرية المحملة بالغذاء عبر الغدد اللبنية في الضرع، فتقوم الخلايا الإفرازية باصطفاء واستخلاص مكونات اللبن من مجرى الدم دون أن ينفذ أي هيموجلوبين أو صبغة دموية، ودون أن يختلط به شيء من مخلفات الهضم؛ فيخرج لبناً خالصاً نقياً كيميائياً وحيوياً؛ فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا المسار الدقيق {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} إلا العليم الخبير؟!
التوكيد بـ{إِنَّ} واللام المزحلقة في {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً}؛ لتنبيه الغافلين الذين يرون اللبن شراباً عادياً لا يلتفتون إلى عظمة المعجزة التكوينية في صنعه.
التعبير بـ{مِن بَيْنِ} المشعر بقمة الحفظ الإلهي والعزل المحكم بين المتنافرات؛ مادة قذرة مكروهة الرائحة، ومادة محرمة مسفوحة حمراء، يخرج من بينهما سائل أبيض ناصع لذيذ مغذٍ.
النعتان المتتاليان {خَالِصًا سَائِغًا}؛ جمعا كمال الصفات: السلامة من الكدورات الباطنة، واللذة العذبة في التناول الظاهر.
الإشارة والتدبر الإيماني: قدرة الله على إخراج الطيب من بين الخبائث؛ فالذي يخرج اللبن الخالص من بين فرث ودم قادر على إخراج المؤمن التقي من أصلاب الكافرين، وقادر على حفظ قلب العبد طاهراً موحداً وسط مجتمعات الضلال والفتن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تنمية النظر العلمي والاستبصار في أسرار خلق الله وأعضائه؛ فالعلم يزيد المؤمن إيماناً وخشية لخالقه العظيم.