تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يخبر عن حماقة المشركين وتصرفاتهم الجاهلية؛ والمعنى: ويجعل هؤلاء المشركون للأصنام والأنداد التي لا تعلم شيئاً من نفع ولا ضر ولا عقل لها، حظاً ونصيباً من زروعهم وثمارهم وأموالهم وأنعامهم التي رزقناهم إياها وتفضلنا بها عليهم؛ كقوله تعالى في الأنعام: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا}؛ ثم أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة: {تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ} يوم القيامة سؤال تقريع وتوبيخ ومحاسبة عما كنتم تفترونه على الله من الكذب والبهتان بتحريم ما أحل وعبادة ما لم يأمر به.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) قبح ما كان يفعله المشركون؛ حيث رزقهم الله وخلق أموالهم، ثم راحوا يقتطعون من رزقه جزءاً يقربونه إلى أصنام جمادية لا تملك لنفسها ولا لغيرها ضراً ولا نفعاً، ولا تعلم شيئاً من عبوديتهم، وقيل في قوله: {لِمَا لَا يَعْلَمُونَ} أي لما لا يعلم المشركون حقيقته ولا حجة لهم فيه، بل يفعلونه تقليداً وجهلاً؛ ثم أقسم الله مؤكداً سؤالهم ومحاسبتهم على افترائهم وعقابهم عليه أشد العقاب.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أن تاء القسم في {تَاللَّهِ} من حروف القسم المختصة بلفظ الجلالة، وهي تدل على التعظيم والتوكيد القاطع؛ وسؤالهم سؤال توبيخ وفضيحة لا سؤال استعلام، لأن الله عليم بكل ما افتروه؛ وفي الآية دليل على تحريم التقرب لغير الله بالأموال والقرابين والنذور.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تكشف الجمع القبيح بين الجهل والظلم؛ فالأصنام جمادات لا نفع فيها ولا علم عندها، والأموال رزق الله الخالص، ومع ذلك اقتطعوا نصيباً من رزق الله وصرفوه لأعدائه؛ فتوعدهم بالقسم الإلهي الجازم بالسؤال عن هذا الافتراء والجزاء العادل عليه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
نَصِيبًا: النصيب هو الحظ والحصة المقدرة والمفرزة من الشيء.
تَاللَّهِ: التاء حرف قسم وجر بدل من الواو، ولا تدخل إلا على اسم الجلالة «الله».
تَفْتَرُونَ: الفري والافتراء هو اختلاق الكذب وقطعه وتزويره بغير حق.
لِمَا لَا يَعْلَمُونَ: اللام حرف جر للتعليل أو للاستحقاق، «مَا» اسم موصول مبني في محل جر، وجملة «لَا يَعْلَمُونَ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والجار والمجرور متعلق بـ«يَجْعَلُونَ» (أو في موضع المفعول به الثاني).
نَصِيبًا: مفعول به أول لـ«يَجْعَلُونَ» منصوب بالفتحة الظاهرة.
مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ: «مِنْ» تبعيضية، «مَا» اسم موصول مجرور محلاً، وجملة «رَزَقْنَاهُمْ» صلة الموصول، و«نا» فاعل والهاء مفعول به أول والميم للجمع، وشبه الجملة متعلق بنعت لـ«نَصِيبًا».
تَاللَّهِ: التاء حرف قسم وجر، «اللَّهِ» لفظ الجلالة مجرور بالتاء، والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره (أقسم تالله).
لَتُسْأَلُنَّ: اللام واقعة في جواب القسم، «تُسْأَلُنَّ» فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين ضمير متصل نائب فاعل، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل له، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ: «عَنْ» حرف جر، «مَا» اسم موصول مبني في محل جر، «كُنتُمْ» فعل ماض ناقص والتاء اسمه، وجملة «تَفْتَرُونَ» خبر كان، والجملة صلة الموصول، والجار والمجرور متعلق بـ«تُسْأَلُنَّ».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن توعدهم الله في الآية السابقة بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}، شرع هنا في تفصيل الجنايات والافتراءات التي استحقوا بها هذا الوعيد؛ فبدأ بجنايتهم المالية في اقتطاع نصيب من رزق الله للأصنام الباطلة، ثم ثنى بجنايتهم العقدية والاجتماعية في نسبة البنات لله ووأدهن في الآيات اللاحقة.
التوكيد بالقسم الرباني: جاء القسم بـ{تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ} وسط سياق الإنكار ليدل على أن هذا العمل الشنيع لا يمكن أن يمر دون حساب، وأن التمرد على المنعم يستوجب محاكمة إلهية صارمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا عبر بـ{لِمَا لَا يَعْلَمُونَ} بصيغة «ما» مع أن المقصود معبوداتهم؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
إيثار «ما» لغير العاقل للتحقير من شأن تلك الأصنام والآلهة؛ فهي أحجار وخشب وجمادات لا تعقل شيئاً ولا تسمع ولا تبصر؛ ففي اللفظ تهكم بالغ بعقول هؤلاء المشركين الذين يقدمون خيرة أموالهم لما هو أدنى منهم في رتبة الوجود.
والآية تحتمل معنيين بديعين متكاملين:
الأول: لما لا يعلم تلك العبادة ولا يعقل شيئاً (وهي الأصنام).
الثاني: لما لا يعلم المشركون له حجة ولا برهاناً في كونه إلهاً (أي يعبدون ما يجهلون حقيقته جهلاً تاماً دون دليل عقلي أو نقلي).
إضافة الرزق إلى نون العظمة الإلهية {رَزَقْنَاهُمْ} لتشنيع جرمهم؛ فالمال مال الله وهو الرزاق وحده، وهم يأخذون من رزقه ليطعموا وينفقوا على سدنة الحجارة التي لا ترزق نملة!
تنكير {نَصِيبًا} للتحقير والتقليل؛ أي حظاً مفرداً بغير حق.
صيغة القسم بأندر أحرف القسم وأعظمها دلالة على الإعظام {تَاللَّهِ}، مع توكيد الفعل باللام ونون التوكيد {لَتُسْأَلُنَّ}؛ لقطع دابر أي توهم للإفلات من الحساب.
الإشارة والتدبر الإيماني: توحيد الرزق والإنفاق؛ فالمال وديعة الله عند العبد، ومن علامات الإيمان بذله فيما يرضي الله، ومن علامات الخذلان صرفه في دعم الباطل وإحياء البدع ومعصية الخالق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ المسؤولية المالية أمام الله؛ فالعبد مسؤول عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، ولا يجوز له أن يتقرب بشيء من ماله لغير الله بنذر أو ذبح.
التطبيق العملي: إخلاص النفقات والصدقات لله وحده، والحذر من العادات الجاهلية والبدعية في التصدق للأضرحة أو القبور أو التبرك بالجمادات.
الوجدان الإيماني: الرهبة من السؤال الإلهي الحتمي، واليقين بأن كل افتراء وتعدٍ على حدود الله سيقف صاحبه ملوماً مدحوراً أمام العدل المطلق.