يقرر الله جل وعلا في هذه الآية حكماً قاطعاً لا مرية فيه ولا شك يعتريه، وهو أن هؤلاء المطبوع على قلوبهم المؤثرين للدنيا على الآخرة هم الأحق بكل خسران في الدار الآخرة؛ حيث خسروا أنفسهم وأهليهم وخسروا جنة الخلد وباءوا بالنار.
تفسير الطبري (14/ 344)مصدر غير محدد١٤/٣٤٤: يقول ابن جرير: معناه حقاً ولا بد، وثبت يقيناً أنهم في يوم القيامة عند موافاة ربهم هم المغبونون الذين ضيعوا رأس مالهم وباعوا الهدى بالضلالة، فأصبحوا أصفار الأكف من ثواب الله، مستوجبين لغضبه وعقابه الأليم.
تفسير ابن كثير (4/ 605)مصدر غير محدد٤/٦٠٥: يوضح ابن كثير أن الكلمة تأكيد لتحقق الوعيد، أي لا شك ولا ريب أنهم يوم الجزاء هم الخاسرون الذين لا خسارة تفوق خسارتهم؛ لأن خسارة الدنيا تعوض أو تنتهي بالموت، أما خسارة الآخرة فأبدية سرمدا.
القرطبي (10/ 184)مصدر غير محدد١٠/١٨٤: يذكر القرطبي أقوال أئمة اللغة والتفسير في تركيب {لَا جَرَمَ} وأنها نزلت منزلة القسم في إفادة التحقيق والقطع، وأن الآية ختمت مشهد المرتدين والكفار بأقسى حكم جزائي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تحقيق القول في {لَا جَرَمَ}:
فيها مذاهب لغوية لأئمة البصرة والكوفة:
مذهب الخليل وسيبويه والجمهور: {لا}: نافية لرد كلام سابق كأنهم زعموا أنهم لا يعاقبون فقيل لا، و{جَرَمَ}: فعل ماضٍ بمعنى ثبت وحق وصح، والفاعل هو المصدر المؤول من {أَنَّ} وما بعدها، أي: حق وثبت خسرانهم.
مذهب الفراء والكوفيين: ركبت الكلمتان وصارتا بمعنى حقاً أو لا بد، وأجروهما مجرى حرف القسم والتحقيق.
قول بعضهم: {لا}: نافية للجنس، و{جَرَمَ}: اسمها مبني على الفتح بمعنى لا محالة ولا بد ولا جرم، والمصدر المؤول خبرها أو متعلق به.
فكان الختام المنطقي والقدري الحتمي هو تقرير الخسران الأبدي بـ {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
تقديم الجار والمجرور {فِي الْآخِرَةِ}: لبيان موضع الخسران الحقيقي؛ لأنهم قد يظنون أنهم ربحوا في الدنيا بسلامة أبدانهم وأموالهم وتجاراتهم، فبين النظم أن هذا الربح الموهوم سراب، وأن الخسران الأعظم مدخر لهم في دار القرار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المقارنة بين ربح الدنيا وخسران الآخرة:
قد يقول قائل: ألم يربح المرتد أو الكافر عاجل الدنيا بمتعها وأموالها؟ فلم يطلق عليه أنه خاسر بإطلاق؟
البرهان العقلي: الخسران في المعاملات يقاس بنسبة الفائت إلى الحاصل؛ فإذا دفع الإنسان جوهرة أبدية تساوي ملك السماوات والأرض ليحصل في مقابلها على لذة فانية تعد بعدد أنفاس معدودة يعقبها شقاء لا نهاية له، كان بمقاييس العقل أجهل الخاسرين وأعظمهم غبناً. والربح الزائل إذا أعقبه عذاب دائم هو في حقيقته عين الخسارة؛ ولذلك حصر الله الخسران فيهم بصيغة القصر {هُمُ الْخَاسِرُونَ}، كأن كل خسران سواه لا وزن له.
أسلوب التوكيد والقطع بـ {لَا جَرَمَ}: صيغة تقطع كل أمل للمشركين في النجاة، وتلقي بالرعب في قلوب الغافلين.
قصر الصفة على الموصوف: بتوسيط ضمير الفصل {هُمُ} وتعريف الخبر بـ (الـ) في {الْخَاسِرُونَ}، لإفادة أن خسرانهم هو الخسران التام الذي تتضاءل دونه خسائر الدنيا.
الإشارة والتدبر: كل صفقة يعقدها الإنسان ويقدم فيها هواه على أمر الله هي صفقة خاسرة، والتاجر البصير هو من يشتري ما يبقى بما يفنى، ولا يغتر بإقبال الدنيا وإدبارها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير الناس بحقيقة الخسران والربح بموازين الوحي الإلهي لا بموازين المادة والمظاهر الاجتماعية؛ لتصحيح المفاهيم وبناء المعايير الإيمانية الصلبة.
التوجيه التربوي: غرس اليقين باليوم الآخر؛ فإن ضعف استحضار الدار الآخرة هو الباب الذي تلج منه كل الانحرافات والتهاون بالفرائض والوقوع في المحرمات.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المسلم شكراً لله على نعمة الهداية والثبات، ويستعيذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الغفلة التي تسوق صاحبها إلى الخسران المبين.