وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
كشفت الآية الكريمة النقاب عن الحقيقة المزرية لجميع الآلهة والأصنام والأنداد التي يدعوها المشركون ويعبدونها من دون الله؛ مبينة عجزها المزدوج المفحم: فهي لا تقدر على خلق أدنى شيء في الوجود، بل هي في ذاتها أشياء مصنوعة مخلوقة منحوتة أو كائنات مربوبة خاضعة لله. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} قالوا: "يعني: الأصنام والأوثان والأنداد التي يعبدها المشركون ويدعونها لكشف الضر؛ {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا} لا يقدرون على خلق ذبابة ولا بعوضة ولا فلقة نبتة؛ {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي: بل هم أنفسهم مخلوقون مربوبون، تنحتهم الأيدي ويصنعهم النجارون والصاغة من الحجارة والخشب والذهب والفضة، فكيف يعبد المخلوق العاجز ويسوى بالخالق القادر؟! وقيل: يعم ذلك كل من عبد من دون الله من الملائكة وعيسى وعزير؛ فهم عباد مخلوقون لله". وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: "هذه الأصنام لا تخلق شيئاً، وهم يخلقون أي يصنعون وينحتون". وقال الإمام القرطبي: "قرأ عاصم وحمزة والكسائي: {يَدْعُونَ} بياء الغيبة، وقرأ الباقون {تَدْعُونَ} بتاء الخطاب توبيخاً للمشركين الحاضرين؛ وجمعهم بالواو والنون {يَدْعُونَ، لَا يَخْلُقُونَ، وَهُمْ} معاملة لهم معاملة العقلاء في اللفظ لأن المشركين نزلوا أصنامهم منزلة العقلاء في العبادة والنداء والدعاء، فخوطبوا على مقتضى اعتقادهم الباطل إلزاماً لهم بالحجة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التناسب في غاية الإحكام والروعة؛ فبعد أن أثبت في الآية (17) القاعدة الكلية: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ}، جاء في هذه الآية ليفصل حال الشركاء المدعوين من دون الله فصلاً يقطع كل صلة لهم بالألوهية: {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}. والجمع بين النفي الصارم {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا} وبين الإثبات الحتمي {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} يحكم طوق العجز والمهانة عليهم؛ فليس عجزهم مقتصراً على عدم القدرة على الخلق، بل يتعداه إلى كونهم في قبضة المفعولية والمخلوقية والافتقار الذاتي؛ فكيف يرجى النفع ممن هو محتاج إلى من يوجده ويصنعه؟! وتنكير {شَيْئًا} في سياق النفي يستوعب كل ذرة وجزيء في الكون؛ لبيان الإفلاس المطلق لتلك المعبودات الباطلة.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. هدم خرافات التبرك والتعلق بالأضرحة والأموات: كل مخلوق عبد مربوب لله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، والواجب إفراد الله بالدعاء والرجاء والخوف والنذر والذبح. 2. عزة الموحد وحريته الفكرية: التوحيد يحرر عقل الإنسان من الانحناء أمام الأحجار والبشر والأوهام، ويربطه مباشرة برب الأرباب وخالق الوجود. 3. الدعوة بالحجة المادية المرئية: كشف تفاهة الأصنام والأوثان للناس وبيان عجزها الحسي والكوني لإيقاظ الفطر ودعوتها إلى التوحيد الخالص.