تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) في تفسيره أن قوله: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} معطوف على قوله في الآية السابقة: {أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ}؛ والمعنى: أو يأمن هؤلاء الماكرون أن ينزل الله بهم عقابه وبأسه وهم يتقلبون في أسفارهم وتجاراتهم وتصرفاتهم في معايشهم ليل نهار؛ {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} أي فما هم بفائتين الله ولا سابقيه، ولا بقادرين على الهرب من قضائه وقدرته إذا أراد إهلاكهم أينما كانوا.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن المراد بـ«التقلب» هو تصرفهم في شؤون دنياهم، وغفلتهم في أسفارهم لرحلتي الشتاء والصيف ومعاشهم وبيعهم وشرائهم؛ كقوله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ}؛ فلا يعجزون الله ولا يمنعهم أحد منه إذا أتاهم عذابه وهم في غمرة نشاطهم وتقلّبهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أن العرب تطلق التقلب على الضرب في الأرض للتجارة، يقال: تقلب فلان في البلاد إذا سافر فيها للتكسب. ونفي الإعجاز {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} إخبار بأن سلطان الله محيط بهم في إقامتهم وظعنهم، فلا ملجأ لهم منه إلا إليه.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يذكر السعدي أن أخذهم في حال تقلبهم أشد حسرة عليهم؛ لأن الإنسان في حال الحركة والتجارة يكون مستجمعاً لقوته وأمله وتطلعه للربح، فإذا نزل به البأس وهو في ذروة نشاطه وجمعه للمال كان ذلك أوقع في نفسه وأظهر لعجزه؛ فما يستطيعون فوات أمر الله ولا دفع قدره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
يَأْخُذَهُمْ: الأخذ هنا هو الأخذ بالعذاب والهلاك، ومنه قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}.
تَقَلُّبِهِمْ: التقلب هو التحول من حال إلى حال، والمراد هنا تصرفهم في حوائجهم وأسفارهم ومكاسبهم وتصرفاتهم المعيشية.
بِمُعْجِزِينَ: جمع معجز، والإعجاز هو الفوت والسبق والهرب بحيث لا يقدر الطالب على إدراك المطلوب.
التوجيه الإعرابي:
أَوْ يَأْخُذَهُمْ: «أَوْ» حرف عطف، «يَأْخُذَهُمْ» فعل مضارع معطوف على «يَخْسِفَ» منصوب بالفتحة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله، والهاء ضمير مفعول به، والميم للجمع.
فِي تَقَلُّبِهِمْ: «فِي» حرف جر للظرفية، «تَقَلُّبِهِمْ» اسم مجرور بالكسرة متعلق بـ«يَأْخُذَهُمْ»، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ: الفاء تعليلية أو عاطفة، «مَا» نافية تعمل عمل ليس (حجازية) أو مهملة (تميمية)، «هُم» ضمير منفصل مبني في محل رفع اسمها (أو مبتدأ)، «بِمُعْجِزِينَ» الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، «مُعْجِزِينَ» خبر ما مجرور لفظاً منصوب محلاً (أو خبر المبتدأ مجرور لفظاً مرفوع محلاً) وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: الآية استكمال للأقسام الأربعة التي تحيط بالمشركين الماكرين؛ فالقسم الأول الخسف من تحت الأرجل، والثاني مباغتة العذاب على حين غرة، والثالث هنا نزول الهلاك في أوج الحركة والنشاط المعيشي والأسفار؛ ليُظهر النظم تنوع مسالك القدرة الإلهية وبطلان أمن المكذبين في أي حال من أحوالهم.
الارتباط بواقع قريش: كانت قريش أهل تجارة وأسفار دائمة (رحلة الشتاء والصيف)، وكانوا يظنون أن حركتهم وخروجهم من مكة يعطيهم أماناً من أي بلاء ينزل ببلدهم، فبينت الآية أن العذاب يمكن أن يدركهم وهم في أسفارهم وتقلبهم وتجارتهم في الطرقات دون أن يعجزوا ربهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يأخذهم الله في تقلبهم بالعذاب المهلك في الدنيا؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
السياق سياق إنكار وتنبيه لعقولهم إلى إمكان وقوع ذلك في أي لحظة، لقطع طمأنينتهم الكاذبة؛ فالترديد بـ«أو» في الآيات هو لبيان اتساع دائرة الإمكان العقلي والقدري للعقوبة، وليس إخباراً بوجوب الجمع بينها جميعاً.
وقد تحقق الأخذ لبعضهم بالفعل؛ فمنهم من أهلكه الله في أسفاره، ومنهم من قُتل في خروجه إلى بدر وهو يتقلب في كبريائه وجيشه، فرأوا مصداق قوله تعالى: {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ}.
تصوير الحركة البشرية بلفظ {تَقَلُّبِهِمْ} الدال على كثرة التصرف والاشتغال بالدنيا والغفلة عن الآخرة، مما يضفي بعداً واقعياً حياً على المشهد.
تأكيد نفي الإعجاز بالباء الزائدة في خبر النفي {بِمُعْجِزِينَ}؛ لبيان استحالة الإفلات والهرب من قبضة القادر سبحانه.
الإشارة والتدبر الإيماني: الغفلة في وقت القوة والانشغال بالدنيا مقتل الإنسان؛ فكم من مسافر خرج يرجو الربح ففاجأه الموت قبل بلوغ أمله، وكم من منشغل بتقلبه لم يدرك أن كفنه قد حيك وهو لا يشعر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تنبيه القلوب إلى خطورة الانغماس في شواغل الحياة المادية مع نسيان الاستعداد للقاء الله، وأن الحركة والتجارة لا ينبغي أن تصرف العبد عن ذكر الله.
التطبيق العملي: استحضار رقابة الله في الأسفار والتجارات ومواطن التقلب، وملازمة أذكار السفر والتوبة الدائمة.
الوجدان الإيماني: اليقين المطلق بأن الإنسان في قبضة ربه أينما كان؛ فلا تمنعه حصون ولا تحميه أسفار، فيمتلئ قلبه بالافتقار إلى ربه والالتجاء إلى حفظه ورحمته.