تفسير الطبري (جامع البيان): يروي الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في تفسير هذا المثل العجيب؛ والمعنى: لا تكونوا في نقضكم لعهودكم وأيمانكم كامرأة خرقاء حمقاء من أهل مكة (قيل اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد، وقيل هو مثل عام لكل من كان هذا صنيعه)؛ كانت تغزل الصوف والشعر مع جواريها من أول النهار حتى تحكمه وتفتله بقوة، فإذا انتصف النهار أمرتهن فنقضن الغزل خيطاً خيطاً وجعلنه أنكاثاً محلولة بعد إحكامه! فتعبت ولم تنتفع بشيء؛ فكذلك من يبرم العهد ويؤكده ثم ينقضه لأجل مصلحة مادية دنيوية عاجلة، فإنه يبطل عمله ويكون كالحمقاء الخرقاء؛ وتتخذون أيمانكم خديعة وفساداً وغدراً بينكم، طمعاً في أن تنضموا إلى جماعة وقبيلة أكثر عدداً وقوة ومالاً من جماعة أخرى؛ إنما يختبركم الله ويمتحنكم بهذه العهود وبكثرة أعدائكم ليرى صدق ثباتكم، وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم تختلفون فيه ويفصل بين الصادق والغادر.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذا مثل حكيم ضربه الله لمن نقض عهده بعد توكيده؛ فشبهه بامرأة خرقاء تغزل غزلها محكماً، ثم تنقضه وتفسخه وتجعله أنكاثاً متفرقة؛ و«الدَّخَل» هو الغدر والخيانة والفساد؛ وكان ديدن بعض قبائل الجاهلية أنهم يعاهدون الحلفاء، فإذا رأوا قوماً آخرين أكثر عدداً وأعز نفراً نقضوا عهد الضعفاء وحالفوا الأقوياء طلباً للكثرة؛ فنهاهم الله عن هذا السلوك الانتهازي الحقير، وبين أن الله يبتليهم بالكثرة والقلة ليمتحن ثباتهم على الحق.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الأنكاث»؛ والأنكاث جمع نِكْث بكسر النون، وهو كل ما نُكث ونُقض من خيوط الصوف والشعر بعد فتله ونسجه؛ والإنكاث إعادة نقض المبرم. و«أربى» أي أزيد وأكثر عدداً ومالاً وقوة، من الربا وهو الزيادة.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذا المثل القرآني يدمغ ناقض العهد بالحمق والسفاهة؛ فالعهد قوة واستقرار وبناء، ونقضه سفه وهدم لما بناه الإنسان بيده؛ ونهاهم عن جعل الأيمان وسيلة للمخادعة والغدر لتحصيل مكاسب سياسية أو مالية بالانحياز للأقوى وخذلان الضعيف، فإن الميزان الحقيقي هو الوفاء والثبات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
نَقَضَتْ: النقض فك طاقات الحبل أو الغزل وإفساد إبرامه، وهو نقيض الإبرام والبناء.
أَنكَاثًا: جمع نِكْث، وهو ما نُقض بعد الفتل وأعيد خيوطاً متفرقة رديئة.
دَخَلًا: الدَّخَل بفتحتين العيب والخديعة والغدر والخيانة والفساد الداخل في الأمر ليفسده.
أَرْبَىٰ: أفعل تفضيل من ربا يربو، أي أزيد وأكثر وأوفر قوة ومالاً ورجالاً.
كَالَّتِي: الكاف اسم بمعنى مثل خبر كان مبني في محل نصب (أو حرف جر وشبه الجملة خبر)، «الَّتِي» اسم موصول مضاف إليه.
نَقَضَتْ غَزْلَهَا: جملة الصلة لا محل لها، «نَقَضَتْ» فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل مستتر، «غَزْلَهَا» مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه.
مِن بَعْدِ قُوَّةٍ: متعلق بـ«نَقَضَتْ» أو بمحذوف حال من غزلها (أي بعد إحكامه وقوته).
أَنكَاثًا: حال من «غَزْلَهَا» منصوبة بالفتحة (أي نقضته صائراً أنكاثاً)، أو مفعول به ثانٍ لنقضت لتضمنها معنى صيرت.
تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ: فعل مضارع وفاعل ومفعول به أول، والجملة في محل نصب حال من واو «تَكُونُوا» لبيان وجه الشبه.
دَخَلًا بَيْنَكُمْ: «دَخَلًا» مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، «بَيْنَكُمْ» ظرف مكان متعلق بنعت لـ«دَخَلًا».
أَن تَكُونَ أُمَّةٌ: «أَنْ» مصدرية، والمصدر المؤول في محل جر بلام محذوفة للتعليل (أي مخافة أن تكون أمة، أو لأن تكون أمة)، «تَكُونَ» فعل مضارع ناقص، «أُمَّةٌ» اسمها مرفوع بالضمة.
هِيَ أَرْبَىٰ: «هِيَ» ضمير فصل، «أَرْبَىٰ» خبر تكون منصوب بفتحة مقدرة (أو مبتدأ وخبر والجملة خبر تكون).
مِنْ أُمَّةٍ: متعلق بـ«أَرْبَىٰ».
إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ: «إِنَّمَا» أداة قصر، «يَبْلُوكُمُ» فعل مضارع والفاعل «اللَّهُ» والكاف مفعول به، «بِهِ» متعلق بـ«يَبْلُوكُمُ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد النهي المجرد عن نقض الأيمان في الآية (91): {وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}، ضرب هنا مثلاً تصويرياً ساخراً ينفر النفوس غاية النفور من هذا الفعل الشنيع؛ فشبه ناقض العهد بتلك الخرقاء التي تغزل وتتعب ثم تهدم غزلها وتجعله أنكاثاً؛ ليرى الغادر صورته النفسية المشوهة في مرآة هذا المثل.
كشف الباعث النفسي والسياسي للغدر: فضحت الآية الحسابات السياسية الانتهازية {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ}؛ لتبين أن المصلحة المادية وكثرة الأعداء وحسابات القوة والضعف لا تبرر للمسلم الغدر ولا نقض العهد أبداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الميكافيلية والذرائعية السياسية المعاصرة: يرى منظرو السياسة النفعية الميكافيلية أن نقض المعاهدات مباح للدول إن كان فيه مصلحة وزيادة في القوة والنفوذ ومسايرة للأقوى.
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
القرآن هنا ينسف هذه النظرية الانتهازية نسفاً جذرياً ويحكم عليها بالسفاهة والحمق المطبق {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا}؛ لأن نقض العهود يدمر الثقة الدولية ويهدم الاستقرار الإنساني ويحول العالم إلى غابة تسودها القوة الغاشمة بلا قيم ولا أخلاق.
الإسلام يقرر أن الأخلاق والوفاء بالعهد حاكمة على السياسة والمصالح المادية العاجلة؛ فالأمة التي تبني نفوذها على الغدر والخيانة أمة ساقطة العاقبة في ميزان التاريخ ومحاكمة الآخرة؛ ولذا أكد: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ} لبيان أن القوة والضعف امتحان للأخلاق.
المقابلة بين {قُوَّةٍ} و{أَنكَاثًا}؛ لإبراز التدهور والانحطاط من الإحكام والبناء إلى الفوضى والدمار.
التعبير بـ{دَخَلًا} لكشف زيف الأيمان التي تقطع للمخادعة واستغفال الطرف الآخر والفساد الباطن تحت ستار القسم الكاذب.
الإشارة والتدبر الإيماني: حفظ الأعمال الصالحة من الحباط والنقض؛ فالمؤمن يبني إيمانه وطاعاته بالصلاة والصيام ثم يحذر أن يكون كالتي نقضت غزلها بأن يتبع حسناته بالمعاصي والمظالم والغيبة فينقض كل ما بناه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ مبادئ الأخلاق الثابتة في التعامل السياسي والاجتماعي؛ فلا يجوز التخلي عن الحلفاء والضعفاء طمعاً في مغانم الأقوياء.
التطبيق العملي: الثبات على العهود والمواثيق والعقود ولو تغيرت موازين القوى أو ظهرت عروض مالية أكثر ربحاً، واليقين بأن البركة في الصدق والوفاء.
الوجدان الإيماني: التسليم لابتلاء الله وامتحانه، والشعور بعزة المبدأ والوفاء أمام إغراءات الكثرة والقوة الزائلة.