تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يصف خضوع المشركين واستسلامهم الذليل يوم القيامة بعد انقطاع الحيل؛ والمعنى: واستسلم هؤلاء المشركون لله في ذلك اليوم وانقادوا لحكمه صاغرين أذلاء، وألقوا السَّلَم؛ أي أظهروا الطاعة والخضوع وبطلت كل دعاويهم للمنازعة والاستكبار؛ وغاب عنهم وتلاشى وبطل ما كانوا يختلقونه في الدنيا من الأكاذيب والأباطيل بزعم أن آلهتهم تشفع لهم وتدفع عنهم عذاب الله.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن المعنى: خضع الجميع واستسلموا لحكم الله العدل الذي لا جور فيه، كما قال تعالى: {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ}، وقال في سورة الصافات: {بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}؛ {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي ذهب واضمحل وضاع كل ما كانوا يتوهمونه من شفاعة الأصنام أو نصرة الأنداد، فلم يجدوا شيئاً مما كانوا يرجونه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«السَّلَم»؛ وهو الاستسلام والانقياد والصلح والخضوع، وأصله من السلامة والاستسلام للغالب عند انقطاع الحيلة. والضلال هنا بمعنى الفناء والذهاب والضياع؛ يقال: ضل الشيء إذا هلك وبطل أثره.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن القيامة هي موطن الاستسلام الاضطراري؛ فالكبرياء التي كانت تملأ صدور المشركين في الدنيا تلاشت تماماً، وانقاد الجميع خاضعين لله الملك الحق، وغابت آلهتهم ومزاعمهم الكاذبة فصارت هباءً منثوراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
يَوْمَئِذٍ: «يَوْمَ» ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ«أَلْقَوْا»، «إِذٍ» اسم ظرفي مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين تنوين عوض عن جملة محذوفة تقديره (يوم إذ رأوا العذاب وتبرأ الشركاء).
السَّلَمَ: مفعول به لـ«أَلْقَوْا» منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَضَلَّ عَنْهُم: الواو عاطفة، «ضَلَّ» فعل ماض مبني على الفتح، «عَنْهُم» متعلق بـ«ضَلَّ».
مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ: «مَا» اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ«ضَلَّ»، وجملة «كَانُوا» صلتها، والواو اسمها، وجملة «يَفْتَرُونَ» خبر كان والعائد محذوف تقديره (يفترونه).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: النتيجة الحتمية للمشهد السابق؛ فبعد أن كذبهم الشركاء وتبرأوا منهم {فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ}، انقطعت كل آمال المشركين وأحاط بهم الهوان؛ فما كان منهم إلا أن {أَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ} معلنين الاستسلام التام؛ فذهب باطلهم وتلاشى كيدهم.
التناظر اللفظي البديع: قابل القرآن بين إلقاءين: إلقاء الشركاء القول بالتكذيب في وجوه المشركين {فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ}، ثم إلقاء المشركين الاستسلام والخضوع لله {وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ}؛ ليعكس النظم قمة الذل والانكسار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل ينفعهم هذا الاستسلام وإلقاء السَّلَم يوم القيامة؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الاستسلام المقبول النافع هو الاستسلام الاختياري في دار الدنيا؛ بالانقياد للشريعة والتوحيد طوعاً ورغبة ومحبة.
أما الاستسلام يوم القيامة فهو استسلام «قهري اضطراري» لا خيار لهم فيه، كاستسلام الأسير المهزوم بعد وقوعه في قبضة الغالب؛ وهذا الاستسلام لا يرفع عذاباً ولا يكسب حسنة، بل هو إعلان عن نهاية المعركة وهزيمة الباطل التامة ودخولهم النار مقرين بعدل الله عليهم.
التعبير بـ{أَلْقَوْا... السَّلَمَ}؛ استعارة تمثيلية مأخوذة من استسلام المحارب المهزوم الذي يلقي سلاحه ويعلن إذعانه للآسر؛ لإبراز زوال كل مظاهر التمرد والاستكبار التي كانت تملأهم في الدنيا.
إسناد الضلال إلى الافتراء {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}؛ لتصوير زوال الأوهام والأصنام؛ فكأن تلك المعبودات والشفاعات كانت سراباً تبخر وضاع فلم يجدوا منه شيئاً عند مسيس الحاجة إليه.
الإشارة والتدبر الإيماني: حقيقة الباطل؛ الباطل يصول ويجول في الدنيا بزخرفه الكاذب، ولكنه هش خاوٍ في ميزان الحق، ويوم تبلى السرائر يضمحل ويضل عن أصحابه، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: الاستسلام لله طوعاً في الدنيا قبل الاستسلام كرهاً في الآخرة؛ فالفوز والسعادة في إلقاء السَّلم لله محبة وإنابة وامتثالاً في دار المهلة.
التطبيق العملي: تجريد الإخلاص لله، ونبذ كل تعلق قلبي بالأشخاص والمناصب والوسائط الزائفة التي ستتلاشى وتضل يوم القيامة.
الوجدان الإيماني: الخضوع والخشوع لجلال الله الملك القهار، واليقين بأن الملك اليوم لله الواحد القهار ولا بقاء إلا لما كان خالصاً لوجهه الكريم.