تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يصور الحالة النفسية والظاهرية للمشرك عند ولادة الأنثى تصويراً دقيقاً؛ والمعنى: وإذا أُخبر أحد هؤلاء المشركين الذين جعلوا لله البنات بأن امرأته ولدت له أنثى، تغير لونه وانقلبت سحنته كمداً وغماً حتى صار وجهه كئيباً أسود من الحزن وسوء الطالع بزعمه، وهو كظيم؛ أي ممتلئ غيظاً وغماً وحزناً، ممسك على ما في قلبه من الحنق، لا يفيض به لسانه حياءً وخوفاً من العار بين قومه.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذه الآية تكشف مدى كراهيتهم للبنات في الجاهلية؛ فكان أحدهم إذا جاءه البشير بولادة بنت ساءه ذلك غاية المساءة، واسود وجهه من الكآبة والغم، وامتلأ قلبه بالغيظ وهو ساكت لا يتكلم من شدة كربه، كما قال تعالى في سورة الزخرف: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ}؛ فكيف يرضون لله ما هذا حالهم عند سماع خبره؟!
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الكظيم»؛ فهو الممتلئ كرباً وغيظاً الممسك على نفسه، من كظم السقاء إذا شده بعد ملئه حتى لا يخرج منه شيء، ومنه كظم الغيظ. وسواد الوجه كناية عن الحزن والكآبة والكسوف الذي يغشاه، وليس سواد اللون الحقيقي.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذا الوصف يبين غاية الجهل والظلم؛ فالأنثى خلق الله كالذكر، وفيها من الرحمة والبركة ما قد يفوق الذكور، ولكن الجاهلية العمياء قلبت المعايير، فاستقبلوا نعمة الولد بالحزن والكآبة والغيظ المكتوم خوفاً من الفقر أو العار الموهوم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
بُشِّرَ: التبشير في الأصل الإخبار بما يظهر أثره وسروره على بشرة الوجه؛ واستعماله هنا في الأنثى تهكم بهم لأن الولد في أصله خبر سار ينبغي أن يستبشر به.
ظَلَّ: من أخوات كان، وتفيد اتصاف الاسم بالخبر في وقت النهار أو تفيد الاستمرار والتحول.
مُسْوَدًّا: السواد هنا كناية عن غلبة الحزن والكآبة وانقباض الملامح.
كَظِيمٌ: فعيل بمعنى مفعول أو فاعل؛ أي مكظوم ممتلئ غماً وغيظاً، أو كاظم لغيظه ممسك له في صدره.
التوجيه الإعرابي:
وَإِذَا بُشِّرَ: الواو عاطفة، «إِذَا» ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، «بُشِّرَ» فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
أَحَدُهُم: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع، وجملة بشر مضاف إليها ظرف إذا.
ظَلَّ وَجْهُهُ: «ظَلَّ» فعل ماض ناقص مبني على الفتح جواب شرط إذا، «وَجْهُهُ» اسم ظل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه.
مُسْوَدًّا: خبر ظل منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَهُوَ كَظِيمٌ: الواو حالية، «هُوَ» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، «كَظِيمٌ» خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير في «وجهه» أو من «أحدهم».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: جاءت هذه الآية تجسيداً تصويرياً حياً لقوله في الآية السابقة: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ}؛ لترسم المشهد النفسي والواقعي المقيت الذي يعيشه ذلك المشرك إذا نُسبت إليه بنت في واقعه الخاص، لتتأكد الشناعة العقلية والأخلاقية لقسمتهم الجائرة.
الإعجاز في التصوير السيكولوجي: ينقل النظم القرآني حركة المشاعر الباطنة إلى قسمات الوجه الظاهرة بدقة متناهية؛ فتبدأ بالبشارة، فتنعكس فوراً سواداً وكآبة في الوجه، وانحباساً للأنفاس والغيظ في الصدر {وَهُوَ كَظِيمٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استعمال لفظ {بُشِّرَ} مع أن الخبر يسوؤه ولا يسره:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
استعمال التبشير هنا يحمل وجهين بلاغيين معجزين:
الأول: التهكم والتهديد؛ كقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}؛ إشعاراً بأن هذا الخبر الذي يستقبله بالسواد والغيظ هو في الحقيقة بشرى ونعمة إلهية وُهبت له، فقلب النعمة نقمة بسوء خلقه وجهله.
الثاني: الأصل اللغوي لمادة «بشر»؛ وهو كل خبر يغير لون بشرة الوجه ودمه؛ فلما كان خبر الولادة يغير سحنة الوجه أُطلق عليه البشارة، فإذا كان خيراً تهلل واستنار، وإذا كان شراً عبس واسودّ؛ فاللفظ قمة في الدقة والبيان.
الكناية البديعة في {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} عن شدة الغم والانكسار والخزي الاجتماعي الذي يصيبه في بيئته الجاهلية.
صيغة المبالغة {كَظِيمٌ} الدالة على امتلاء الوعاء النفسي بالحزن حتى لا يجد له متنفساً، مما يولد صراعاً داخلياً مدمراً.
الإسناد إلى الوجه {ظَلَّ وَجْهُهُ}؛ لأن الوجه مجمع الحواس ومرآة السرائر، وما يستقر في القلب يفيض فوراً على ملامح الوجه.
الإشارة والتدبر الإيماني: كرامة المرأة في الإسلام؛ فالقرآن هنا يشنع على الجاهلية احتقارها للأنثى ويسجل استنكاره الشديد لهذا السلوك، ممهداً لإعلان شرف الأنثى بنتاً وأختاً وزوجة وأماً، ومحذراً المسلمين من بقاء رواسب هذه الجاهلية في مشاعرهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تطهير النفوس من رواسب الجاهلية وتفضيل الذكور على الإناث بالحزن أو التسخط على قضاء الله؛ فالأنثى باب من أبواب الجنة لمن أحسن تربيتها كما تواترت بذلك الأحاديث النبوية الشريفة.