روى الطبري في تفسيره (14/ 346)مصدر غير محدد١٤/٣٤٦، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نفراً من أهل مكة أسلموا ثم فتنهم المشركون وعذبوهم فافتن بعضهم وأعطى المشركين ما أرادوا تقية، ثم ندموا لما كتب إليهم إخوانهم بالمدينة: «إن الله أنزل فيكم رخصة إن هاجرتم وجاهدتم»، فخرجوا مهاجرين، فلحق بهم المشركون فقاتلوهم؛ فمنهم من استشهد ومنهم من نجا ووصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
ذكر مجاهد وقتادة أن من هؤلاء: عياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد رضي الله عنهم.
تفسير ابن كثير (4/ 606)مصدر غير محدد٤/٦٠٦: يبين ابن كثير أن هذه الآية الكريمة بشرى عظيمة لمن وقع في فتنة وزلت به قدم تحت وطأة الإكراه والتعذيب ثم استدرك أمره بالتوبة، والهجرة في سبيل الله، ومفارقة ديار الشرك، وبذل الجهد في طاعة الله والصبر على لأواء الطريق وأذى الأعداء؛ فإن مغفرة الله ورحمته تسعه وتمحو ما سلف منه.
القرطبي (10/ 185)مصدر غير محدد١٠/١٨٥: يوضح القرطبي أن الفتنة هنا هي التعذيب والابتلاء والأذى الذي صبه مشركو قريش على المسلمين ليردوهم عن دينهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الفتنة: أصلها وضع الذهب في النار لتمييز جيده من رديئه، ثم استعملت في الابتلاء والامتحان والتعذيب لرد المؤمن عن دينه.
القراءات في {فُتِنُوا}:
قراءة الجمهور: {فُتِنُوا} بضم الفاء وكسر التاء مبنياً للمجهول، أي فتنهم المشركون وعذبوهم.
قراءة ابن عامر والحسن وأبي حيوة: {فَتَنُوا} بفتح الفاء والتاء، ولها توجيهان: إما بمعنى فتنوا أنفسهم حين تكلموا بكلمة الكفر تقية، أو فتنوا غيرهم أو فتنوا أي عذبوا غيرهم قبل إسلامهم ثم تابوا وهاجروا.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي الرتبي لعلو منزلة الهجرة والجهاد بعد الابتلاء.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{رَبَّكَ}: اسم {إِنَّ} منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والكاف مضاف إليه.
{لِلَّذِينَ}: اللام حرف جر، و{الَّذِينَ} اسم موصول في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلق بالخبر المؤخر {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، أو بمحذوف خبر أول لـ {إِنَّ}.
{هَاجَرُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{مِن بَعْدِ}: جار ومجرور متعلق بـ {هَاجَرُوا}.
{مَا فُتِنُوا}: {مَا} مصدرية، أي: من بعد فتنتهم، أو موصولة بمعنى الذي فتنوا به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة مع أحوال المرتدين: بعد أن فصلت الآيات السابقة (106-109) مصير من انشرح بالكفر صدره واستحب الدنيا وطبع الله على قلبه، جاءت هذه الآية لتقابل ذلك بحال الصادقين الذين عذبوا واستضعفوا، فبادروا إلى الهجرة والجهاد وتصحيح المسار؛ لئلا يقنط أحد من رحمة الله، وليظهر الفرق بين من ركن إلى الكفر حباً للدنيا، وبين من كبا كبوة الضعف ثم نهض بالجهاد والصبر.
تكرار {ثُمَّ}: تكررت {ثُمَّ} مرتين للدلالة على التراخي الرتبي العظيم؛ فالانتقال من الفتنة إلى الهجرة منزلة رفيعة، والترقي من الهجرة إلى الجهاد والصبر مقام أسمى وأجل.
تكرار {إِنَّ رَبَّكَ}: لطول الفصل بالصلة والمتعلقات، ولتجديد استحضار الرعاية الإلهية الخاصة وتثبيت قلب النبي والمؤمنين بمغفرة الله ورحمته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تكرار اسم {إِنَّ} ورابط الخبر:
قد يستشكل النحوي تكرار قوله {إِنَّ رَبَّكَ} في أول الآية وآخرها، فأين خبر {إِنَّ} الأولى؟
التحرير النحوي والعقلي: الأولى أن خبر {إِنَّ} الأولى هو الجار والمجرور {لِلَّذِينَ هَاجَرُوا} وما بعده، والتقدير: ثم إن ربك ناصر أو غافر للذين هاجروا، أو أن {إِنَّ رَبَّكَ} الثانية تأكيد لفظي للأولى لطول الكلام، وخبرها هو {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، واللام في {لِلَّذِينَ} متعلقة بـ {غَفُورٌ}، وتكرار المؤكد هنا يرسخ في الأذهان أن الربوبية رحيمة لا تقطع الرجاء عمن أصلح وجاهد في سبيله.
إضافة الرب إلى كاف الخطاب {رَبَّكَ}: إضافة تشريف وملاطفة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتطمين لأتباعه المستضعفين بأن ربهم هو ناصرهم وكافلهم.
صيغة المبالغة {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: قرن المغفرة بالرحمة لبيان محو آثار الزلل والستر التام في الأولى، وإفاضة النعم والدرجات العالية في الثانية.
الإشارة والتدبر: المحن والفتن قد تسقط الأبدان ولكنها توقظ الهمم؛ والعبرة في طريق الإيمان ليست بالكبوات العارضة بل بالاستدراك الصادق والتوبة النصوح المقرونة بالهجرة والجهاد والصبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: فتح باب الأمل على مصراعيه للعصاة والمفتونين؛ فلا يجوز للداعية أن يقنط أحداً من رحمة الله مهما بلغت سقطته، بل يوجهه إلى العمل الصالح والمفارقة لبيئة المعصية.
التوجيه التربوي: التلازم الحتمي بين التوبة والعمل؛ فالهجرة انتقال مكاني ونفسي عن مواطن الفتنة، والجهاد بذل الوسع في نصرة الحق، والصبر زاد الطريق؛ فبذلك تثبت التوبة وتؤتي ثمارها.
الأثر الوجداني: يغمر القلب برد الطمأنينة والأمل في سعة حلم الله ومغفرته ورحمته، ويدفع المسلم إلى الاستعانة بالصبر على مشاق التكليف وأذى الخلق.