وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
ارتقت الآية الكريمة بالنظر البشري من نعم الأرض والنبات إلى النعم الفلكية الكونية الكبرى؛ فبينت تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم بنظام فلكي دقيق محكم مسير بأمر الله، لحفظ حياة الكائنات وتحديد الأوقات والمواقيت، مختتمة بالدعوة إلى إعمال العقل والربط المحكم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد وقتادة في قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} قالا: "سخر الليل لتسكنوا فيه وتستريحوا من التعب، والنهار مبصراً لتبتغوا فيه من فضل الله وتتقلبوا في معايشكم؛ {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} يجريان بحساب دقيق لتعلموا عدد السنين والحساب، وتكمل بهما منافع الزروع والثمار والفصول؛ {وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} أي: مذللات منقادات لقدرته وقضائه، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وتزين بها السماء". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "التسخير هو التذليل؛ جعل الله هذه الأجرام العظام العلوية في خدمة هذا الإنسان الضعيف، تجري لمصالحه وتنتظم لحياته". وقال الإمام القرطبي: "قرأ ابن عامر وحفص: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} بالنصب عطفاً على (الليل والنهار)، وقرأ الباقون برفع: {وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ} على الابتداء والخبر؛ وقرأ ابن عامر والكسائي بنصب الجميع عطفاً على الليل؛ وكلها قراءات سبعية متواترة؛ وختم الآية بـ {يَعْقِلُونَ} لأن حركة الأفلاك ودوران الأجرام وحساب السنين يحتاج إلى كمال العقل والتمييز وإدراك القوانين الكلية للكون".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى النظم القرآني في الارتقاء من سياق الآية السابقة؛ فبعد استعراض النبات في الآية (11) الذي هو شأن أرضي محدود، رفع السياق الأبصار إلى القبة الفلكية العلوية المهيبة: {اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ}. ولاحظ التناسب الدقيق في ختام الفاصلة؛ ففي آية النبات السابقة قال: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً} (بالإفراد) {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}؛ لأن النظر في خروج النبتة هو تفكر وتأمل حسي في جزئيات النبات. أما هنا في الآية الفلكية فقال: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ} (بصيغة الجمع) {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}؛ لأن المنظومة الفلكية تشتمل على دلائل وبراهين لا حصر لها (دوران الأرض، تعاقب الفصول، حساب الأزمنة، حركة المد والجزر، توازن الجاذبية)، واستيعاب هذا النظام الكوني الشاهق يتطلب "العقل الكلي" والقدرة على التجريد المنطقي والربط الرياضي الصارم، فناسبه الجمع في الآيات والختم بالعقل: {لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. استثمار علم الفلك والفيزياء الكونية في تعميق الإيمان: دراسة مسارات الكواكب والنجوم وسيلة عظمى لترسيخ عظمة الخالق وإدراك دقته سبحانه في تسيير الأكوان. 2. شكر نعمة الوقت والنظام: تعاقب الليل والنهار وضبط حركة الشمس والقمر يعلم المسلم قيمة الوقت والانتظام والجدية في إدارة الحياة والعبادة. 3. التحذير من التنجيم والدجل: النجوم مسخرات بأمر الله للهداية والزينة، ولا تأثير لها في أقدار الناس ولا في السعادة والشقاوة؛ فمن ربط الحوادث بحركات النجوم فقد ضل عقله وفسد توحيده.