تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام الطبري (ت 310 هـ) أن الهمزة في {أَفَأَمِنَ} همزة إنكار وتوبيخ وتهديد لمشركي مكة؛ والمعنى: أيأمن هؤلاء الذين دبروا المكايد السيئة لنبي الله ودعوته بمكة، وتآمروا على قتله أو حبسه أو إخراجه في دار الندوة، أن يخسف الله بهم الأرض كما خسف بقارون وبمن قبله، أو يأتيهم عذاب الله وبأسه بغتة من مكان وجهة لا يحتسبونها ولا تخطر ببالهم؟
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله جل وعلا يخبر عن حلمه وإمهاله لأهل المكر والشرك، محذراً إياهم من استدراج النعم والمهلة؛ فإنه قادر على أن يعاقبهم بأنواع العقوبات الخاطفة، إما بالخسف بأن تغور بهم الأرض وتبتلعهم، أو بمباغتة العذاب من مأمنهم حيث لا يرجون ولا يحذرون؛ كقوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أن «المكر» هو التدبير الخفي في إيقاع الشر؛ والمكارون هنا هم كفار قريش ومشركو كل عصر؛ وخسف الأرض هو انشقاقها وغؤور ما عليها في جوفها؛ وقوله: {مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} إشارة إلى المباغتة والمفاجأة التي تقطع أسباب الحذر والتحرز.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر السعدي أن هذه الآية وعيد شديد لمن استعمل مكره وذكاءه في محاربة الحق وتدبير المكايد للمؤمنين؛ فإن مكرهم محاط بقدرة الله القاهرة، وبأس الله قد يأتيهم من تحت أقدامهم بالخسف أو من فوقهم بالعذاب المباغت، والأمن من مكر الله من أعظم علامات الخسران.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
أَفَأَمِنَ: الأمن ضد الخوف، وهو طمأنينة النفس وذهاب الوجل؛ واستعماله هنا على سبيل الإنكار للغفلة والاستدراج.
مَكَرُوا: المكر في الأصل الصرف بحيلة، ومكر السيئات تدبير الشرور والخيانات في الخفاء.
يَخْسِفَ: الخسف انشقاق الأرض وابتلاع ما فوقها، ومنه خسوف القمر وهو احتجاب ضوئه.
التوجيه الإعرابي:
أَفَأَمِنَ: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، الفاء عاطفة على مقدر (أغفلوا فأمنوا)، «أَمِنَ» فعل ماض مبني على الفتح.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ«أَمِنَ».
مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ: «مَكَرُوا» فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، وجملة مكروا صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. «السَّيِّئَاتِ» مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم (على تضمين مكروا معنى كسبوا أو عملوا السيئات)، أو منصوب بنزع الخافض (أي مكروا بالسيئات)، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر تقديره (مكراً سيئات).
أَن يَخْسِفَ اللَّهُ: «أَن» حرف مصدري ونصب، «يَخْسِفَ» فعل مضارع منصوب بالفتحة الظاهرة، «اللَّهُ» لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة، والمصدر المؤول من أن والفعل في محل نصب مفعول به للفعل «أَمِنَ» (أي أفأمنوا خسف الله بهم).
أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ: «أَوْ» حرف عطف للتنويع والتقسيم، «يَأْتِيَهُمُ» فعل مضارع معطوف على «يَخْسِفَ» منصوب بالفتحة الظاهرة، والهاء مفعول به والميم للجمع، «الْعَذَابُ» فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ: «مِنْ» حرف جر، «حَيْثُ» اسم ظرفي مبني على الضم في محل جر بـ«من» متعلق بـ«يَأْتِيَهُمُ»، «لَا» نافية، وجملة «لَا يَشْعُرُونَ» في محل جر مضاف إليه لـ«حَيْثُ».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن عرضت الآيات السابقة كفر المكذبين وشبهاتهم في التوحيد والرسالة والبعث وبيان إرسال الرسل بالبينات والزبور وإنزال الذكر، جاءت هذه الآية وما بعدها (45-47) لتهز وجدان الكفار هزاً عنيفاً بأسلوب الاستفهام الإنكاري، محذرة إياهم من الاغترار بسلامة الحال وتأخر العقوبة مع إصرارهم على المكر والمكابرة.
تنويع أشكال الهلاك والعذاب: رتبت الآيات أربعة أصناف من أخذ الله للظالمين: الخسف من أسفل، وإتيان العذاب من جهة المباغتة، والأخذ في حال التقلب والأسفار، والأخذ على تخوف ونقص تدريجي، لبيان إحاطة القدرة الإلهية بهم من جميع الجهات والأحوال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا أمهل الله الماكرين بمكة ولم يخسف بهم كما توعدهم؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الاستفهام في الآية إنكاري تقريعي للتحذير من إمكان وقوع ذلك في أي لحظة، وليس إخباراً بحتمية وقوع الخسف بالذات؛ فالعقوبة قد تقع بأي صنف من الأصناف المذكورة.
حكمة الله وسنته في الإمهال لا الإهمال؛ فقد أمهل مشركي قريش لوجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}، ولأنه علم أن في أصلابهم من سيؤمن ويكون من قادة الفتح وحملة لواء التوحيد كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل.
تحقق الوعيد في المعاندين المستكبرين في يوم بدر بالسيف والأسر، وهو من إتيان العذاب {مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} حيث خرجوا بطرين فحل بهم الذل والبوار.
تصدير الآية بهمزة الإنكار متبوعة بفاء التعقيب {أَفَأَمِنَ}؛ للدلالة على التعجيب البالغ من غفلتهم وأمنهم مع عظم جنايتهم وظهور دلائل الخطر المحدق بهم.
إضافة السيئات إلى المكر ووصفه بها {مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ} للتنبيه على خباثة طويتهم ودناءة مؤامراتهم التي تهدف إلى وأد نور الحق.
دقة التعبير بـ{مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ}؛ لبيان أن العذاب الإلهي ينفذ من الزوايا التي يظنها الإنسان محكمة، فلا تنفعه تحصيناته ولا ذكاؤه البشري القاصر.
الإشارة والتدبر الإيماني: الأمن من مكر الله كاشف عن قسوة القلب والغرور؛ فالمؤمن الحقيقي يعمل الصالحات وقلبه وجل يخاف ألا تُقبل منه، والمنافق الكافر يجمع بين إساءة العمل والأمن التام من العقوبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: غرس الحذر الدائم من استدراج النعم والستر؛ فإذا رأى العبد ربه يواليه بالنعم وهو مقيم على المعصية فليعلم أنه استدراج ومكر قد يتبعه أخذ مفاجئ.
التطبيق العملي: ترك كل مكر وخديعة في المعاملات مع الخلق؛ فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، والبراءة من كيد المبطلين بالاعتصام بحبل الله المتين.
الوجدان الإيماني: استشعار عظمة وبطش الجبار سبحانه، والعيش بين الخوف والرجاء، والشعور بالأمان في كنف الله والرهبة من بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.