يوضح الله تعالى أنه لم يؤاخذ تلك القرية بغتة، ولم يسلبها أمنها ورزقها إلا بعد إرسال البينات؛ فقد بعث إليهم رسولاً كريماً يعرفون نسبه، وصدقه، وأمانته، ولسانه، فكذبوه وتكبروا عن اتباعه، فاستحقوا نزول العقاب الإلهي وهم متلبسون بالظلم التام لأنفسهم.
تفسير الطبري (14/ 352)مصدر غير محدد١٤/٣٥٢: يقول ابن جرير: ولقد جاء أهل مكة رسول من أنفسهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، يعرفون حسبه ونسبه وصدقه، فكذبوه فيما أتاهم به من عند الله، فأخذهم عذاب الجوع والقحط وسيف يوم بدر، وهم ظالمون لأنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب رسول الله.
تفسير ابن كثير (4/ 608)مصدر غير محدد٤/٦٠٨: يذكر الحافظ ابن كثير أن كون الرسول {مِّنْهُمْ} أعظم في إقامة الحجة وإلزام البرهان؛ لأنه ليس بغريب عنهم ولا ملتبس أمره عليهم، وكان ينبغي أن يكونوا أسرع الناس تصديقاً له وفرحاً ببعثته.
السعدي (ص 451)مصدر غير محدد٤٥١: يبين الشيخ السعدي أن أخذ العذاب لهم وهم ظالمون دليل على تمام عدل الله؛ فلم يكن عذابهم بظلم من الله لهم، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حين كفروا بالنعمة وكذبوا الرسول.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
منهم: أي من جنسهم البشري، ومن قومهم، يعرفون لسانه وأخلاقه وصدقه فلا شبهة لديهم في صدق نقله.
إعراب {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ}:
الواو استئنافية أو عاطفة، واللام واقعة في جواب قسم مقدر.
{قَدْ}: حرف تحقيق وتقريب.
{جَاءَهُمْ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به مقدم، والميم للجمع.
الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسرعة، {كَذَّبُوهُ}: فعل وفاعل ومفعول به.
{فَأَخَذَهُمُ}: الفاء سببية عاطفة، {أَخَذَ}: فعل ماض، والهاء مفعول به مقدم، والميم للجمع.
{الْعَذَابُ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَهُمْ ظَالِمُونَ}: الواو واو الحال، {هُمْ}: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، {ظَالِمُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الهاء في {فَأَخَذَهُمُ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل سبب الكفر بأنعم الله: لما أجملت الآية السابقة كفرهم بالأنعم في قوله: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ}، جاءت هذه الآية لتفصل رأس ذلك الكفر وأشنعه؛ وهو تكذيب الرسول الذي جاءهم بأعظم النعم وهي نعمة الوحي والهدى؛ فتكذيبه كفر بأجل النعم الإلهية.
الفاء التعقيبية المتكررة:
{فَكَذَّبُوهُ}: تفيد مسارعتهم إلى التكذيب دون تريث ولا إعمال عقل.
{فَأَخَذَهُمُ}: تفيد سرعة مجيء الجزاء ومفاجأة العذاب لهم بعد استكبارهم.
الحال في {وَهُمْ ظَالِمُونَ}: قيد حالي يدفع أي توهم لظلم الله لهم، ويقرر أن العذاب باغتهم وهم مصرون على غيهم مستمرون في ظلمهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعذيب الأمم مع وجود المستضعفين أو الصالحين:
قد يقال: كيف عم العذاب القرية مع أن فيها المستضعفين أو الأطفال؟
الجواب والتحقيق: العذاب الدنيوي إذا نزل بسنة الاستئصال أو الجوع والخوف يعم أهل البلد لسكوتهم ومخالطتهم الظالمين، ثم يبعث كل امرئ على نيته كما صح في الحديث النبوي الشريف: «إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم»، وأما المباشرون للتكذيب فهم الذين باؤوا بالخزي في الدارين، والمستضعفون الذين صبروا يؤجرون على ابتلائهم.
التوكيد بالقسم وقد في {وَلَقَدْ}: لرد إنكار المنكرين وتقرير أن الحجة قامت عليهم قاطعة واضحة لا ريب فيها.
التنكير في {رَسُولٌ}: للتفخيم والتعظيم؛ أي رسول عظيم الشأن رفيع المنزلة.
الوصف بـ {مِّنْهُمْ}: مبالغة في التلطف والامتنان؛ فكونه منهم يقتضي أن يكونوا أعرف بفضله وأسرع إلى اتباعه لا تكذيبه.
الإشارة والتدبر: تكذيب المصلحين هو النذير الأخير للأمم قبل هلاكها؛ فحين ترفض المجتمعات دعاة الحق وتسعى في إقصائهم فإنها تستجلب الهلاك بأيديها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: يطمئن الداعية إلى أن الرفض والتكذيب سنة الأنبياء الكرام؛ فإذا كذب أهل مكة نبيهم وهو الصادق الأمين فتكذيب أتباعه من بعده أولى بأن يقع، والواجب هو الثبات والبلاغ.
التوجيه التربوي: الحذر من كفران نعمة المصلحين والعلماء الربانيين؛ فإن وجودهم أمان للأمة من نزول بأس الله.
الأثر الوجداني: يستشعر المؤمن مهابة العذاب الإلهي وبطشه بالظالمين، ويلهج بالثناء على الله الذي جعله من المتبعين للرسول لا من المكذبين.