تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يرد على شبهة المشركين في مسألة النسخ في القرآن الكريم؛ والمعنى: وإذا نسخنا حكماً بحكم آخر وبدلنا آية مكان آية بتخفيف بعد شدة أو تشديد بعد تخفيف لمصلحة العباد وتربيتهم، والله سبحانه وتعالى أعلم بما ينزل على عباده من الأحكام وما يصلحهم في كل وقت وحال؛ قال المشركون الكفار طاعنين في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: إنما أنت كذاب مختلق تختلق هذا القرآن من تلقاء نفسك تأمر اليوم بأمر ثم ترجع عنه غداً! فرد الله عليهم مبطلاً جهلهم: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} حكمة الله في تشريعه ولا يدركون أسرار التدريج والتنزيل.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذه الآية أصل عظيم في إثبات النسخ في الشريعة الإسلامية؛ فالرب تبارك وتعالى يتصرف في ملكه كيف يشاء ويحكم ما يريد؛ فينسخ حكماً بحكم، ويحل ما شاء ويحرم ما شاء رحمة بعباده وتدرجاً في تربيتهم؛ كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة المشرفة؛ فلما رأى المشركون ذلك قالوا: «إنما محمد يسخر بأصحابه، يأمرهم بأمر ثم ينهاهم عنه!»، فأنزل الله رداً عليهم وكشف جهلهم بحكمته تعالى.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي والأصولي للنسخ والتبديل؛ فالتبديل هنا هو النسخ ورفع الحكم السابق بحكم لاحق؛ والله تعالى عليم بالمصالح لا يتبدل علمه، وإنما يتبدل المعلوم بحسب حاجات العباد وأطوارهم؛ كأمر الطبيب الحاذق للمريض بدواء في مرحلة ثم نقله لدواء آخر في مرحلة النقاهة، وكل ذلك بعلم وحكمة؛ فرد تهمة الافتراء بأن مصدرها الجهل المطبق: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن النسخ من محاسن الشريعة وكمال رحمتها؛ فالله تعالى ينزل الأحكام بما يناسب أحوال الأمة وتدرجها في الإيمان، والمشركون لفرط جهلهم وظلمهم جعلوا هذه الحكمة العظيمة مطعناً، واتهموا أصدق الخلق بالافتراء؛ فبين الله أنهم جهال لا علم عندهم ولا عقل يفقهون به أسرار التشريع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
بَدَّلْنَا: التبديل رفع الشيء ووضع غيره مكانه، والمراد هنا نسخ حكم آية بحكم آية أخرى.
مُفْتَرٍ: اسم فاعل من افترى، وهو الكاذب المتعمد لاختلاق الأباطيل وتزويرها.
بَدَّلْنَا: فعل ماض مبني على السكون و«نا» فاعل، والجملة مضاف إليها ظرف إذا.
آيَةً: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
مَّكَانَ آيَةٍ: «مَّكَانَ» ظرف مكان منصوب بالفتحة متعلق بـ«بَدَّلْنَا» (أو مفعول به ثانٍ لتضمن بدل معنى وضع)، «آيَةٍ» مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ: جملة معترضة للتنزيه والتقرير، «اللَّهُ» مبتدأ، «أَعْلَمُ» خبر المبتدأ، «بِمَا» متعلق بـ«أَعْلَمُ»، وجملة «يُنَزِّلُ» صلة الموصول لا محل لها.
قَالُوا: فعل ماض والواو فاعل، والجملة جواب شرط إذا لا محل لها من الإعراب.
إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ: «إِنَّمَا» كافة ومكفوفة تفيد الحصر، «أَنتَ» مبتدأ، «مُفْتَرٍ» خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة تنويناً، والجملة في محل نصب مقول القول.
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ: «بَلْ» حرف إضراب إبطالي، «أَكْثَرُهُمْ» مبتدأ، وجملة «لَا يَعْلَمُونَ» في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما كشف الله في الآية (100) تسلط الشيطان على الكافرين، ذكر هنا أخبث شبهة وسوس بها الشيطان إليهم للتشكيك في الوحي الإلهي والقرآن؛ وهي زعمهم أن النسخ دليل على التناقض البشري والافتراء؛ فنسف القرآن شبهتهم وقرر كمال العلم والحكمة الإلهية في تنزيل الآيات وتبديلها.
الاعتراض الفوري بـ{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ}: اعترضت الجملة الحالية قبل حكاية قولهم {قَالُوا}؛ لتقرر مسبقاً أن التبديل والنسخ صادر عن علم إلهي محيط وحكمة بالغة، قبل أن يلقي المشركون باطلهم؛ فتسقط شبهتهم قبل أن تبدأ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الطعن في النسخ والادعاء بأنه يستلزم البداء والجهل في حق الله: يزعم الطاعنون أن تبديل الحكم بحكم آخر يدل على أن الآمر بدا له ما لم يكن يعلمه من قبل، وهذا نقص محال على الله.
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
«البَدَاء» المستحيل على الله هو ظهور الصواب بعد خفائه أو تغير الإرادة لعلم طرأ بعد جهل؛ وهذا منزه عنه الله تعالى بإجماع المسلمين والعقول.
أما «النَّسْخ» في الشريعة فهو بيان انتهاء أمد الحكم الأول المعلوم في علم الله الأزلي؛ فالله سبحانه يعلم أزلاً أن الحكم الأول صالح ومناسب للعباد في تلك الفترة المحددة، ويعلم أزلاً أنه سيبدله بالحكم الثاني في وقته المحدد لحكمة وتربية؛ فالتبدل والتغير يقع في «المخلوقات وأحوال المكلفين» لا في «علم الله وإرادته الأزلية».
والنسخ واقع ومعقول في كل الشرائع السالفة وقوانين الأمم؛ فالطبيب يغير الدواء بحسب تغير المرض، والأب يغير أسلوب التربية بحسب نمو الطفل، والخالق الحكيم العليم بما ينزل يشرع ما يناسب تدرج البشرية من الضعف إلى القوة.
الجملة الاعتراضية {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} بصيغة أفعل التفضيل؛ لتأكيد انفراده تعالى بتمام الإحاطة بمصالح العباد التي تقصر عنها مداركهم.
أسلوب الحصر في مقالتهم {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ}؛ لإبراز وقاحتهم وجراءتهم في رمي النبي الصادق الأمين بمحض الكذب والاختلاق.
الإضراب بـ{بَلْ} والتعقيب بـ{أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}؛ لتسفيه رأيهم وبيان أن اتهامهم نابع من الجهل المطبق بحقيقة الوحي وأسرار التشريع.
الإشارة والتدبر الإيماني: كمال التسليم لحكمة الله وأحكامه؛ فالمؤمن يتلقى أوامر ربه ونسخها بالانقياد واليقين بأنه الحكيم الخبير، ولا يعترض بعقله القاصر على حكم بارئه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: إدراك حكمة التدرج في الدعوة والتشريع؛ فالناس يحتاجون إلى التدرج في التكاليف وتهيئة النفوس قبل إلزامها بالعزائم الكبرى.
التطبيق العملي: الرد العلمي الرصين على الشبهات المثارة حول النسخ في القرآن الكريم، وتبيين أنه مظهر من مظاهر الرحمة والإعجاز التشريعي.
الوجدان الإيماني: التسليم المطلق لرب العالمين، واليقين بأن كل آية نزلت أو نسخت إنما هي لخير العباد وصلاح دينهم ودنياهم.