تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يضرب مثلاً ثانياً أعمق وأدق في تصوير بطلان الشرك؛ والمعنى: وضرب الله مثلاً لرجلين؛ أحدهما وُلد أخرس أصم لا ينطق ولا يسمع ولا يفهم ولا يقدر على عمل نفع، وهو فوق ذلك ثقل وعبء وعالة على وليه ومن يلي أمره، أينما يرسله مولاه في حاجة أو مهمة يرجع خائباً لا يقضي حاجة ولا يأتي بخير؛ فهل يستوي هذا العاجز الناقص العالة مع رجل آخر سليم الحواس طليق اللسان ناصح عاقل يأمر الناس بالعدل والتوحيد، وهو في نفسه مستقيم السيرة على طريق واضح لا عوج فيه؟! فالأول مثل الصنم الأبكم العاجز، أو مثل الكافر المتبلد، والثاني مثل الله جل جلاله الآمر بالعدل والتوحيد، أو مثل النبي والمؤمن المهتدي.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذا المثل الثاني يمثل ارتقاءً في تفنيد عبادة الأصنام؛ فالصنم أبكم لا يتكلم ولا يسمع، عاجز عن أي حركة ونفع، كَلٌّ على عابده وسادنه؛ يحتاج إلى من يحمله وينظفه ويصونه وينصبه، وإذا سقط انكسر ولم يستطع نصرة نفسه، فكيف يُسوى بالرب الخالق القادر الذي يفيض بالعدل ويأمر بالقسط وهو على صراط مستقيم؟! وقيل: هو مثل للكافر والمؤمن، ولا تنافي؛ فالأصنام والكفار يشتركون في العجز عن الحق، والله ورسله والمؤمنون هم أهل العدل والصراط المستقيم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يبين القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الأبكم» و«الكَلّ»؛ فالأبكم هو الذي ولد أخرس لا نطق له ولا فهم، والكَلّ هو الثقل والعبء والعالة؛ يقال: كَلّ فلان على أهله إذا ثقل عليهم مؤنته؛ وقوله: {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} تصوير لمنتهى الفشل والقصور الذاتي الذي لا حيلة فيه.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذا المثل من أروع الأمثلة في الموازنة العقلية؛ فالأول اجتمعت فيه كل صفات النقص: البكم، والعجز، وثقل العالة، والتردد في الفشل؛ والثاني اجتمعت فيه أكمل صفات النفع: العدل في أمره والهدى والاستقامة في ذاته؛ فالحكم بامتناع استوائهما حكم عقلي قطعي لا يختلف فيه اثنان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
أَبْكَمُ: الأبكم الذي خُلق أخرس لا يسمع ولا ينطق، والخرس قد يطرأ بعد نطق أما البكم فخلقي ملازم غالباً.
كَلٌّ: الكَلّ الثقل والعبء والعيال الذي يحتاج إلى من ينفق عليه ويخدمه.
يُوَجِّههُّ: التوجيه الإرسال والبعث نحو وجهة معينة لقضاء حاجة.
صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ: الصراط الطريق الواسع، والمستقيم المعتدل الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف.
التوجيه الإعرابي:
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا: الواو عاطفة، «ضَرَبَ» فعل ماض، «اللَّهُ» فاعل، «مَثَلًا» مفعول به أول (أو مفعول مطلق).
رَّجُلَيْنِ: بدل من «مَثَلًا» أو مفعول به ثانٍ منصوب بالياء لأنه مثنى.
أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ: «أَحَدُهُمَا» مبتدأ مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه والميم والألف للتثنية، «أَبْكَمُ» خبر المبتدأ مرفوع بالضمة (ممنوع من الصرف للوصفية ووزن أفعل)، والجملة في محل نصب نعت لـ«رَّجُلَيْنِ» أو بدل تفصيل.
لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ: «لَا» نافية، وجملة «يَقْدِرُ» في محل رفع خبر ثانٍ أو نعت لـ«أبكم»، والجار والمجرور متعلق بـ«يَقْدِرُ».
أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ: «أَيْنَمَا» اسم شرط جازم يجزم فعلين وهو في محل نصب على الظرفية المكانية، «يُوَجِّههُّ» فعل مضارع مجزوم فعل الشرط بالسكون على الهاء الأولى، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على المولى، والهاء الثانية مفعول به.
لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ: «لَا» نافية، «يَأْتِ» فعل مضارع مجزوم جواب الشرط بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، «بِخَيْرٍ» متعلق بـ«يَأْتِ»، وجملة الشرط والجواب في محل نصب حال ثانية.
هَلْ يَسْتَوِي هُوَ: «هَلْ» حرف استفهام إنكاري، «يَسْتَوِي» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، «هُوَ» فاعل (أو توكيد لفاعل يستوي المستتر).
وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ: الواو عاطفة، «مَن» اسم موصول معطوف على الفاعل في محل رفع، وجملة «يَأْمُرُ» صلة الموصول لا محل لها، «بِالْعَدْلِ» متعلق بـ«يَأْمُرُ».
وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ: الواو حالية، «هُوَ» مبتدأ، «عَلَىٰ صِرَاطٍ» متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، «مُّسْتَقِيمٍ» نعت مجرور بالكسرة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير «يَأْمُرُ».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: هذا المثل الثاني متمم ومكمل للمثل الأول في الآية (75)؛ فالمثل الأول وازن بين «العجز المادي» و«الغنى والإنفاق»؛ أما هذا المثل الثاني فوازن بين «القصور الذاتي في الحواس والإدراك والإنتاج» وبين «كمال الهداية والعدل والاستقامة»؛ لتستوعب المقارنة جميع أبعاد النقص البشري والصنمي وجميع أبعاد الكمال الإلهي.
التدرج في رسم صورة العجز: تكاملت أربعة أوصاف تنزل بالأول إلى أحط دركات النقص: خُلق أبكم {أَبْكَمُ}، عاجز عن الحركة والقدرة {لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ}، ثقل وعالة يحتاج لغيره {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ}، خائب الفشل في كل مسعى {أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا قال {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} بصيغة الإفراد هنا بينما قال في الآية السابقة {هَلْ يَسْتَوُونَ}؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
في الآية السابقة قال {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا... وَمَن رَّزَقْنَاهُ}؛ فـ«من» و«عبداً» يمثلان جنسين عامين يشتملان على أفراد كثيرين فجمع الضمير حملاً على معنى الجنسين.
أما في هذه الآية فحدد النظم العدد ابتداءً فقال صراحة: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا...}؛ فلما نص على التثنية المحددة برجلين متقابلين شخصياً ونفسياً، ناسب أن يفرد الضمير فقال {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ}؛ لتطابق البلاغة مقتضى اللفظ وسياق التخصيص.
الإطناب في وصف عيوب الأبكم {أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ... كَلٌّ... لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ}؛ لتكثيف مشهد العجز المطلق وإشعار النفس بالنفور التام من هذا الحال المهين.
الإيجاز البديع في وصف المقابل بكلمات جامعة {مَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}؛ فجمع له كمال نفع المتعدي (الأمر بالعدل) وكمال الصلاح الذاتي (الاستقامة على الصراط).
الاستفهام الإنكاري {هَلْ يَسْتَوِي} المانع لأي تردد في إصدار الحكم الفوري بالبطلان.
الإشارة والتدبر الإيماني: كمال المصلح الحقيقي؛ لا يكفي أن يكون المرء صالحاً في نفسه حتى يكون آمراً بالعدل ناصحاً لخلق الله، ولا يقبل أمره حتى يكون هو في سلوكه مستقيماً على الصراط لا يناقض قوله فعله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: بناء القدوات الصالحة في المجتمع؛ فالقدوة الحقيقية هي من جمع بين الاستقامة الذاتية والسعي الدؤوب في إقامة العدل ونشر الخير بين الناس.
التطبيق العملي: الحذر من أن يكون المرء كَلاً وعالة على غيره في دينه أو دنياه، والحرص على تعلم المهارات النافعة والسعي في مصالح العباد.
الوجدان الإيماني: تعظيم الله العادل الحكيم الذي يقضي بالحق ويهدي إلى صراط مستقيم، وتنزيهه عن كل عجز ونقص افتراه المشركون.