وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
صورت الآية الكريمة الموقف الجاحد الوقح الصادر عن كبراء المشركين حين يُسألون عن حقيقة القرآن العظيم وما أنزله الله على رسوله، فيفرون من الحجة بالطعن في الوحي ووصفه بأنه خرافات الأمم السالفة وأكاذيب الأقدمين. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا: "كان المشركون (النضر بن الحارث وأضرابه من رؤوس قريش) يقفون على مداخل مكة وأيام المواسم، فإذا قدم وفد من العرب وسألوهم: ما هذا الذي يقول محمد؟ وماذا أنزل ربكم عليه؟ قالوا صُدوداً وتشويهاً: لم ينزل عليه شيء، إنما هي أساطير الأولين؛ أي أكاذيبهم وأحاديثهم وأشعارهم وترهاتهم التي سطروها في كتبهم اكتتبها فهو يمليها عليكم". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "كان النضر بن الحارث قد خرج إلى فارس فتعلم أخبار رستم وإسفنديار، فلما قدم مكة وجد النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، فكان إذا جلس النبي مجلساً خلفه النضر فقال: يا معشر قريش، ما حديث محمد بأحسن من حديثي، تعالوا أحدثكم بأساطير الأولين! فأنزل الله هذه الآية". وقال الإمام القرطبي: "الأساطير جمع أسطورة، وهي الترهات والأحاديث الخرافية التي سطرت في الكتب القديمة لا حقيقة لها؛ ونصبوا أساطير على أنه مفعول بفعل مقدر تقديره: أنزل أساطير الأولين، أو رفعوها {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} على الخبر؛ أي: المنزل أساطير الأولين".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا النظم القرآني يفضح الهروب الفكري والإفلاس المعرفي للمشركين؛ فالسؤال الموجه إليهم من الوافدين الباحثين عن الحقيقة سؤال رصين منصف: {مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ}، وهو سؤال يفترض الإقرار بالربوبية ويسأل عن مضمون التنزيل والرسالة. فبدلاً من أن يقارعوا الحجة بالحجة، أو يعرضوا عيباً حقيقياً في القرآن، لجؤوا إلى "سلاح التشويه والتصنيف السطحي الجاهز": {قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}! ولاحظ بلاغة الرفع في جوابهم {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}؛ فحذفوا الفعل (أنزل) إمعاناً في الجحود؛ فكأنهم يقولون: لم ينزل شيئاً قط، بل هذا الملفوظ هو محض أساطير وأكاذيب مسطورة قديمة. وهذا التناسب يقابل مقابلة بديعة مع جواب المؤمنين الأتقياء في نفس السورة في الآية (30): {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا خَيْرًا}؛ فشتان بين الجوابين!
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الوعي بالحملات الإعلامية المشوهة للدين: معرفة أن الطعن في ثوابت الإسلام والقرآن عبر الإعلام والمنصات سنة قديمة يسلكها المعاندون، مما يتطلب من الدعاة تقديم القرآن ببراهينه الناصعة ومحاسنه الأخلاقية. 2. الرد الرصين على الشبهات: عدم الانخداع بالمصطلحات البراقة؛ فالكلمات لا تغير الحقائق، والقرآن حق وصدق وبرهان مهما سماه المبطلون أساطير. 3. تثبيت المبتدئين والباحثين عن الحق: تحصين الوافدين والشباب من الوقوع في فخاخ التشويه المسبق التي ينصبها خصوم الدعوة لصدهم عن استماع كلام الله.