وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
بينت الآية الكريمة إحاطة علم الله تعالى المطلق التام العام بكل ما يضمره العباد وما يظهرونه؛ فلا تخفى عليه خافية من ضمائر القلوب وأسرار النفوس، ولا من أقوال الألسن وأعمال الجوارح في السر والعلن. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد وقتادة في قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} قالا: "يعلم ما تخفون في صدوركم من النيات والعقائد والأقوال والضمائر، وما تبدون بألسنتكم وتفعلونه بجوارحكم؛ وهو محيط بجميع أعمالكم وسيجازي كلاً بعمله". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "ما تسرون: ما يسر المشركون في صدورهم من الشك والتكذيب وما يسر المؤمنون من الإخلاص واليقين؛ وما تعلنون: ما يجهرون به؛ والله محصٍ ذلك كله عليم به". وقال الإمام القرطبي: "قرأ عاصم وحفص: {مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} بتاء الخطاب، وقرأ الباقون بياء الغيبة {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}؛ وهي قراءات متواترة تجمع بين موعظة الحاضرين ومحاسبة الغائبين؛ وقدم السر على العلن لأن علم الله بالسر أدل على كمال الإحاطة؛ فالذي يعلم السر لا يعجزه علم العلن من باب أولى".
جاء تقرير سعة العلم الإلهي المحيط في هذا الموقع عقب تقرير سعة الخلق والإنعام في الآيات السابقة؛ لبيان أن "الذي خلق وأسدى النعم هو العليم بكل تصرفات المنعم عليهم". وتقديم السر على العلن {مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} هو الترتيب الطبيعي لأصل الأفعال؛ فالخواطر تنشأ في السر وتتولد في أعماق القلوب أولاً، ثم تخرج إلى العلن باللسان والجوارح ثانياً. كما أن في تقديم السر سر بياني بديع؛ إذ علم السر هو المعيار الحقيقي الذي يعجز عنه سائر المخلوقات، فالناس كلهم يعلمون ما تعلن، ولكن الله وحده هو المتفرد بعلم ما تسر، فكان استدلالاً بأخص خصائص الإله الحق.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. تربية الضمير ومراقبة الله في الخلوات: الخلوة هي ميزان الإيمان؛ فالواجب على المسلم أن يستشعر نظر الله إليه حين تغلق الأبواب وترتخي الستور. 2. تطهير القلوب من أمراض النفاق والرياء: العناية بإصلاح الباطن والنيات والمقاصد؛ لأن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. 3. السكينة في قلوب المظلومين والمصلحين: حين يعلم الداعية والمظلوم أن الله يعلم سره وعلنه، ويشهد كيد أعدائه المستور، يمتلئ قلبه طمأنينة بأن الله ناصره ومجازيه بأحسن الجزاء.