تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يخبر عن طلاقة قدرته وحكمته البالغة في خلقه؛ والمعنى: ولو أراد الله وشاء لجعلكم أيها الناس كلهم جماعة واحدة متفقة على دين واحد وإيمان وتوحيد لا يختلف منكم أحد؛ ولكن حكمته وعدله اقتضيا دار الابتلاء والاختيار؛ فيخذل ويضل من يشاء بعدله لسبق علمه بعناده وفساد اختياره، ويوفق ويهدي من يشاء بفضله ورحمته لإقباله على الحق؛ ولتُسألن جميعاً يوم القيامة سؤال محاسبة ومجازاة عن جميع ما كنتم تعملونه في الدنيا من خير وشر ووفاء وغدر.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله تعالى لو شاء لجمع الناس كلهم على الهدى جبراً وقهراً، كقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا}؛ ولكنه فاوت بينهم في الهداية والضلال بحكمته وقدرته التامة؛ فمن هداه فبمحض فضله ورحمته، ومن أضله فبمحض عدله واستحقاق العبد، كما قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}؛ ثم أكد مساءلتهم ومحاسبتهم على أعمالهم: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يورد القرطبي (ت 671 هـ) استدلال أئمة أهل السنة بهذه الآية في الرد على المعتزلة والقدرية؛ فبين أن الهداية والإضلال بيد الله وبمشيئته؛ فلو كان العبد يخلق فعل نفسه مستقلاً عن مشيئة الله لبطل قوله: {وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ}؛ وإثبات السؤال والمسؤولية {وَلَتُسْأَلُنَّ} دليل على ثبوت الكسب والاختيار للعبد الذي به يستحق الثواب والعقاب.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تجمع بين كمال المشيئة الإلهية وكمال العدل؛ فاختلاف الناس وتفرقهم بين مؤمن وكافر سنة إلهية لحكمة الابتلاء، والمسؤولية تقع على عاتق الإنسان بأعماله التي باشرها بإرادته الحرة؛ فلا يصح له أن يحتج بالقدر على المعاصي والضلال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
أُمَّةً وَاحِدَةً: جماعة متحدة على ملة واحدة ودين واحد.
يُضِلُّ: يسلب التوفيق ويخلي بين العبد وهواه جزاءً لفساد اختياره.
يَهْدِي: يوفق ويشرح الصدر لقبول الحق وسلوك الصراط المستقيم.
التوجيه الإعرابي:
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ: الواو استئنافية، «لَوْ» حرف شرط غير جازم، «شَاءَ» فعل ماض، «اللَّهُ» فاعل، ومفعول المشيئة محذوف تقديره (لو شاء هدايتكم أو جعلكم أمة واحدة).
لَجَعَلَكُمْ: اللام واقعة في جواب لو، «جَعَلَكُمْ» فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به أول والميم للجمع، والجملة جواب شرط لو لا محل لها.
أُمَّةً: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَاحِدَةً: نعت لـ«أُمَّةً» منصوب بالفتحة.
وَلَٰكِن يُضِلُّ: الواو عاطفة، «لَٰكِن» حرف استدراك، «يُضِلُّ» فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله.
مَن يَشَاءُ: «مَن» اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ«يُضِلُّ»، وجملة «يَشَاءُ» صلة الموصول لا محل لها، ومفعول المشيئة محذوف تقديره (يشاء إضلاله).
وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ: معطوف على ما قبله وإعرابه مماثل له.
وَلَتُسْأَلُنَّ: الواو عاطفة أو واقعة في جواب قسم مقدر، اللام واقعة في جواب القسم، «تُسْأَلُنَّ» فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين نائب فاعل، والنون نون التوكيد الثقيلة.
عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ: «عَنْ» حرف جر، «مَا» اسم موصول مجرور محلاً، «كُنتُمْ» كان واسمها، وجملة «تَعْمَلُونَ» خبر كان، والجملة صلة الموصول، والجار والمجرور متعلق بـ«تُسْأَلُنَّ».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما ذكر في الآية السابقة اختلاف الناس وانقسامهم إلى أمم قوية وأمم ضعيفة، وحذر من نقض العهود واتباع الأقوى لمجرد الكثرة، بيّن هنا الأصل الكوني لهذا التعدد والاختلاف؛ فلو شاء الله لألغى هذا الاختلاف وجعل البشرية كلها مؤمنة طائعة جبراً، ولكنه جعلهم متفاوتين ومختارين ليميز الخبيث من الطيب؛ وختم بالمسؤولية الفردية عن كل عمل.
التوازن بين القدر والتكليف: جمعت الآية بين تقرير المشيئة الإلهية العامة النافذة: {يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ}، وبين تقرير المسؤولية التكليفية للإنسان: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}؛ وهو قطب رحى عقيدة أهل السنة والجماعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يضل الله من يشاء ثم يسأله ويعاقبه على عمله؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
إضلال الله للعبد ليس قهراً ولا جبراً له على ارتكاب المعصية ابتداءً؛ بل هو «عقوبة تابعة لاختيار العبد»؛ فالعبد يختار الكفر والإفساد والصد عن سبيل الله بمحض إرادته وشهوته، فيعاقبه الله بسلب التوفيق والخذلان وتخلية قلبه للشيطان، كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.
والله سبحانه منح الإنسان العقل والسمع والبصر، وأرسل إليه الرسل، وأنزل الكتب، ومكنه من القدرة على الفعل والترك؛ فإذا اختار الضلالة فإنه يُسأل ويُعاقب على «عمله واختياره» الذي باشره، ولذا نص في ختام الآية: {عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، ولم يقل: عما قضينا عليكم؛ فالعدل تام والحجة قائمة.
استخدام «لو» الشرطية الامتناعية {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ}؛ لتقرير أن الوحدة الجبرية للبشرية ممتنعة لمنافاتها لحكمة دار الابتلاء وخلق الإنسان مختاراً.
المقابلة بين {يُضِلُّ} و{يَهْدِي}، وتقديم الإضلال لأن السياق سياق تحذير للمشركين والناقضين للعهود.
التوكيد بالقسم واللام ونون التوكيد الثقيلة في {وَلَتُسْأَلُنَّ}؛ لقطع كل شبهة جبرية يحاول العاصي أن يتكئ عليها للهروب من السؤال والحساب.
الإشارة والتدبر الإيماني: مقام الافتقار إلى هداية الله؛ فالهداية نعمة وفضل من الله يستوجب دوام التضرع: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، والخوف والوجل من سلب التوفيق وزيغ القلب بالذنوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ المسؤولية الأخلاقية والشرعية لدى الفرد والمجتمع؛ فكل إنسان مسؤول عن اختياراته وقراراته أمام محكمة العدل الإلهية.
التطبيق العملي: استحضار مشهد السؤال والحساب عند كل عمل وتصرف وقسم وعقد؛ والمسارعة إلى التوبة من الذنوب طلباً لتوفيق الله وهدايته.
الوجدان الإيماني: الاعتراف بفضل الله في الهداية، وتنزيه الله عن الظلم في الإضلال، والخضوع لمشيئته النافذة وحكمته البالغة في خلقه.