تفسير الطبري (جامع البيان): يبين الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه يخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أنه أرسل في كل جيل وقرن من الناس رسولاً يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والبراءة من كل معبود سواه، واجتناب كل طاغوت يُطاع في معصية الله أو يُعبد من دونه كالأصنام والشياطين وكهنة الضلال؛ {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ} فوفقه للإيمان به وبرسله، {وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} أي وجبت عليه لعناده واختياره الكفر في سابق علم الله، {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} أي يا معشر قريش فانظروا في ديار عاد وثمود وقوم لوط كيف حل بهم الدمار لتعلموا صدق ما توعدكم به رسلكم.
تفسير ابن كثير: يقرر الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذه الآية أصل عظيم في بيان وحدة دعوة الأنبياء والمرسلين من لدن نوح إلى محمد عليهم الصلاة والسلام، فكلهم بُعثوا بالتوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة ونبذ الشرك؛ كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}، ثم انقسمت الأمم إزاء هذه الدعوة إلى فريقين: مهتدٍ بفضل الله، وضال بعدل الله وحكمته؛ وأمر الله بالاعتبار بآثار المكذبين الحاضرة في طريق أسفارهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) حقيقة «الطاغوت» بأنه مأخوذ من الطغيان وهو مجاوزة الحد، ويدخل فيه كل ما عبد من دون الله من صنم أو شيطان أو إنسان رضي بالعبادة لنفسه أو شرع بغير ما أنزل الله. ويبين أن قوله: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} حث على إعمال العقل والنظر في سنن التاريخ التي لا تحابي ظالماً.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يذكر السعدي أن الآية تقطع حجة المشركين الذين زعموا في الآية السابقة أن شركهم مرضي لله؛ فإن بعثة الرسل في كل أمة بهذا الأصل العظيم {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} تنقض دعواهم كلياً، وتثبت أن الله لم يزل ينكر الشرك ويحذر منه عباده عبر كل العصور.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
أُمَّةٍ: الجماعة من الناس التي يجمعها عصر أو لغة أو دين أو نسب.
الطَّاغُوتَ: وزن فعلوت، مشتق من طغى يطغو ويطغى، إذا جاوز الحد في الكبر والتمرد؛ وقُلبت عينه ولامه للاشتقاق فصار طاغوت.
حَقَّتْ: لزمت ووجبت وثبتت، من الحَقّ وهو الثبوت واللزوم.
التوجيه الإعرابي:
وَلَقَدْ بَعَثْنَا: الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، «قد» حرف تحقيق، «بَعَثْنَا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» ضمير متصل فاعل.
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ: «أَنْ» تفسيرية لأن البعث يتضمن معنى القول دون حروفه، أو مصدرية بتقدير حرف الجر أي: بأن اعبدوا الله. «اعْبُدُوا» فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، «اللَّهَ» لفظ الجلالة مفعول به منصوب.
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ: الواو عاطفة، «اجْتَنِبُوا» فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، «الطَّاغُوتَ» مفعول به منصوب.
فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ: الفاء للتفريع والتقسيم، «مِنْهُم» جار ومجرور خبر مقدم، «مَّنْ» اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة «هَدَى اللَّهُ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، و«اللَّهُ» فاعل، والعائد محذوف تقديره (هداه).
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ: الفاء فصيحة، «سِيرُوا» فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، «فِي الْأَرْضِ» جار ومجرور متعلق بـ«سِيرُوا».
فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ: الفاء عاطفة، «انظُرُوا» فعل أمر، «كَيْفَ» اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان مقدم، «كَانَ» فعل ماض ناقص، «عَاقِبَةُ» اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة، «الْمُكَذِّبِينَ» مضاف إليه مجرور بالياء، وجملة كان وما بعدها علقت فعل النظر عن العمل اللفظي وسدت مسد مفعوليه محلاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن حكى الله شبهة المشركين في احتجاجهم بالقدر على عبادتهم لغيره وتحريمهم ما لم يحرمه، أتى بهذا الدليل التاريخي والواقعي القاطع؛ فكيف تدعون أن الله يرضى بعبادتكم للأوثان وقد أرسل في كل أمة رسولاً يدعوهم إلى التوحيد الصافي ونبذ الطاغوت؟ فبطلان حجتهم بيّن لا يحتاج إلى عناء.
التناسب الإيقاعي والموضوعي: جمعت الآية قطبي التوحيد: الإثبات {اعْبُدُوا اللَّهَ} والنفي {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، وهو مطابق لمعنى كلمة الإخلاص «لا إله إلا الله»؛ ثم بينت النتيجة الوجودية لهذا الانقسام البشري بالأمر بالاعتبار التاريخي بالسير في الأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الهداية والضلال إلى الله ومسألة الجبر: يستشكل البعض قوله: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ}؛ فيزعمون أن في ذلك دليلاً على الجبر لأن الضلالة حقت على قوم بأمر الله.
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
لم يسلب الله إرادة أحد؛ بل بين في صدر الآية أنه بعث الرسل لكل أمة لبيان الحق ودعوتهم جميعاً لاختياره، مما يدل على وجود الأهلية والاختيار لديهم.
إضافة الهداية إلى الله {هَدَى اللَّهُ} هي إضافة فضل وتوفيق وإعانة لمن علم الله منه صدق الرغبة في الحق، فمن أقبل على الله هداه؛ كما قال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}.
أما إضافة لزوم الضلالة {حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} فأسند الفعل إلى الضلالة، ولم يقل: «أضلهم الله» مقابلة لـ«هداهم»، تأدباً وإشعاراً بأن الضلالة وجبت عليهم بسبب اختيارهم العناد وتكذيبهم المستمر للرسل؛ فالإضلال الإلهي هو عقوبة عادلة تابعة لإصرار العبد على الغي، كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. فالعدل الإلهي تام لا تشوبه شائبة جبر.
المقابلة البيانية بين {اعْبُدُوا اللَّهَ} و{وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، واستعمال مادة «اجتنبوا» التي تقتضي أن يكون العبد في جانب والطاغوت في جانب آخر بعيد، وهي أبلغ من مجرد الترك.
الإيجاز في ذكر العاقبة بالأمر بالسير {فَسِيرُوا... فَانظُرُوا}؛ إذ يغني استحضار المشاهد والأطلال عن سرد تفاصيل عذاب كل أمة.
الإشارة والتدبر الإيماني: التوحيد ليس نظرية فكرية بل مفاصلة حاسمة مع الطاغوت؛ فلا يصح إيمان عبد حتى يكفر بكل ما يطغى على أمر الله ويتعدى حدوده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: بناء الوعي التوحيدي الخالص لدى الأجيال؛ فالغاية من خلق الإنسان وبعثة الأنبياء واحدة لا تتغير: إفراد الله بالعبادة ومحاربة الطغيان والانحراف الفكري والأخلاقي.
التطبيق العملي: قراءة التاريخ بعين البصيرة والاعتبار؛ فلا ينبغي أن تمر آثار الأمم الغابرة على المؤمن مجرد سياحة ترفيهية، بل محطة استبصار لسنن الله في إهلاك المكذبين.
الوجدان الإيماني: استشعار عظمة نعمة الهداية والفضل الإلهي بالتوفيق للإسلام، والخوف والوجل من لزوم الضلالة لمن أعرض عن الحق بعد معرفته.