تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يلفت أنظار العباد إلى مشهد كوني بديع يتكرر في الآفاق؛ والمعنى: ألم ينظر هؤلاء المشركون المكذبون بأبصارهم وبصائرهم إلى الطير كيف ذللها الله وسخرها للطيران في جو السماء وهو الهواء المتسع بين السماء والأرض؛ تسبح بأجنحتها في الهواء الصافي وتقبضها، ما يمسكها في ذلك الجو الرقيق عن السقوط والخرور على الأرض إلا الله القادر بحفظه وتدبيره وخلقه لها على هذه الهيئة الملائمة؛ {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ} ودلائل ساطعات على قدرة الله ووحدانيته، {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأنهم المنتفعون بالنظر والاعتبار.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله تعالى ينبه على كمال قدرته ولطفه في خلق الطيور وتسخيرها في جو السماء؛ كقوله تعالى في سورة الملك: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}؛ فخلق أجسادها خفيفة، وأودع فيها الأكياس الهوائية، وبسط لها الأجنحة والريش، وسخر لها الهواء الرقيق تحمله، وأمسكها سبحانه بقدرته ولطفه حتى لا تسقط.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الجو»؛ وهو الهواء المتباعد بين السماء والأرض؛ و«المسخرات» المذللات والميسرات بما خلق الله فيها من بنية الطيران ومطاوعة الهواء لها؛ ثم أبان أن إمساكها في الجو مع ثقل أجسادها معجزة تكوينية مستمرة تدل على قاهرية الرب تبارك وتعالى.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن مشهد الطير في الهواء برهان باهر على التوحيد؛ فمن الذي خلق الهواء بهذه الكثافة واللطافة، وخلق الطير بأجنحة وأشكال هندسية تدفع الهواء وتسبح فيه، وألهمها التوازن والثبات؟! إنه الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؛ فالمؤمن إذا رأى الطير ازداد إيماناً ويقيناً بقدرة ربه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
الطَّيْرِ: اسم جنس جمعي يقع على الواحد والجمع، واحده طائر، وهو كل ما يرتفع ويسبح بجناحين في الهواء.
مُسَخَّرَاتٍ: مذللات ميسرات مطاوعات للسنن التي تمكنها من الطيران والارتفاع.
جَوِّ: الجو في الأصل الفضاء المتسع الممتد بين الأرض والسماء.
القراءات وضبط التوجيه:
قراءة حمزة والكسائي ويعقوب: {أَلَمْ تَرَوْا} بتاء الخطاب لمواجهة السامعين وتوبيخهم.
قراءة الجمهور (ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر): {أَلَمْ يَرَوْا} بياء الغيبة عوداً على الكفار والمشركين.
التوجيه الإعرابي:
أَلَمْ يَرَوْا: الهمزة للاستفهام الإنكاري التقريري، «لَمْ» حرف جزم ونفي وقلب، «يَرَوْا» فعل مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
مَا يُمْسِكُهُنَّ: «مَا» نافية، «يُمْسِكُهُنَّ» فعل مضارع مرفوع بالضمة، والهاء ضمير مفعول به والنون للنسوة، والجملة في محل نصب حال ثانية من الطير أو مستأنفة.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ: تقدم إعرابها، «لَآيَاتٍ» اسم إن مؤخر منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: جار ومجرور نعت لـ«آيات»، وجملة «يُؤْمِنُونَ» في محل جر نعت لـ«قوم».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن ذكر نعمة البصر في الآية السابقة: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ}، وجه هذا البصر مباشرة إلى أعظم المشاهد الكونية حركةً وجمالاً وحرية؛ وهو مشهد الطير السابحة في جو السماء؛ ليكون استعمال البصر فورياً في التفكر والتدبر في بديع صنع الله.
التكامل في ختام الآيات: خُتمت الآية بـ{لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}؛ لأن الإيمان هو الثمرة العظمى لإعمال السمع والبصر والفؤاد في مشاهد الكون، فالمؤمن هو المستبصر بآيات الله في أرضه وسمائه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفسير المادي المحض للطيران (قوانين الديناميكا الهوائية): يزعم بعض الماديين أن طيران الطير يفسر بالكامل بقوانين الديناميكا الهوائية والضغط وشكل الجناح، فلا حاجة لنسبة الإمساك إلى الله في قوله: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ}.
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
القرآن لا ينفي الأسباب الطبيعية، بل يقرها صراحة في قوله {مُسَخَّرَاتٍ}؛ فالتسخير هو ذاته إيداع القوانين الفيزيائية والسنن الهوائية وتهيئة أجساد الطيور وعضلاتها وتجويف عظامها وأشكال أجنحتها الانسيابية للتفاعل مع تلك القوانين.
السؤال الفلسفي والعقلي الأعمق: من الذي صاغ هذه القوانين الفيزيائية وأحكمها؟ ومن الذي خلق الطير متطابقة تماماً مع خواص الهواء قبل أن توجد المخابر؟ إن نسبة الفعل إلى الله {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ} هي رد للأمر إلى مسبب الأسباب وخالق المنظومة الكونية برمتها، فالقوانين المادية آليات تسخير، والممسك المدبر هو الله الواحد القهار.
تصدير الآية بالاستفهام التقريري {أَلَمْ يَرَوْا}؛ لحث البصائر على النظر في حركة الطيران التي يعتادها الناس حتى يفقدوا الشعور بإعجازها.
إضافة الجو إلى السماء {فِي جَوِّ السَّمَاءِ} لتصوير الفضاء المفتوح الهائل الذي لا مساكة فيه لشيء ثقيل إلا بحفظ الله.
أسلوب الحصر بالنفي والاستثناء {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ}؛ لتقرير الحقيقة التوحيدية الكبرى بأن نواميس الكون كلها قائمة بمدد الله وحفظه، ولو تخلى عنها لحظة لهوت وفسدت.
الإشارة والتدبر الإيماني: الطير نموذج التوكل والحرية؛ كما في الحديث الصحيح: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»؛ فالطير تطير بأمر الله وتمسك برحمته وتتوكل على رزقه، فالمؤمن أولى بهذا التوكل واليقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: إحياء الدهشة الإيمانية أمام المشاهد المألوفة؛ فالاعتياد يبلد الإحساس بالمعجزات، والنظر القرآني يجدد في النفس الانبهار اليومي بآيات الله في الطيور والأفلاك.
التطبيق العملي: حسن التوكل على الله مع بذل الأسباب كحال الطير، ومراعاة حقوق الحيوانات والطيور والرفق بها والإحسان إليها في بيئتها.
الوجدان الإيماني: التحليق بالروح في فضاءات التوحيد، والشعور بالأمان في كنف الممسك الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ويمسك الطير في جو السماء.