تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يبين مَن ينفذ فيهم كيد الشيطان وسلطانه بعد أن نفاه عن المؤمنين المتوكلين في الآية السابقة؛ والمعنى: إنما تسليط إبليس وقدرته وتأثيره وإغواؤه على أولئك الذين يتخذونه ولياً وناصراً ويطيعونه في معصية الله وينقادون لوساوسه، وعلى الذين هم بسببه أو بسببه جعلوا لله شركاء وأنداداً؛ فمن أسلم قياده للشيطان مكنه من نفسه حتى صار ألعوبة بيده يورده المهالك.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن قوله {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} أي على الذين اتخذوه ولياً من دون الله؛ وقوله: {وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} يحتمل معنيين جليلين:
الأول: والذين هم بسبب إبليس وإغوائه مشركون بالله تبارك وتعالى؛ فتكون الباء للسببية.
الثاني: والذين هم بالله مشركون؛ فتكون الباء للإلصاق والضمير يعود على الله، كقوله تعالى: {يُشْرِكُونَ بِهِ}؛ والقول الأول أظهر في السياق لمطابقة ذكر ولاية الشيطان.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) أن حصر السلطان بأداة {إِنَّمَا} دليل على أن الشيطان لا يملك ابتداءً إجبار أحد على الكفر؛ وإنما يبدأ بالوسوسة والدعوة، فإذا والاه العبد ورضي باتباعه واستجاب له، تسلط عليه واستحوذ على عقله وقلبه؛ فالعبد هو الذي جلب على نفسه هذا السلطان باختياره الفاسد.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية متممة لقواعد الحماية من الشيطان؛ فمن والى الله وتوكل عليه حمي منه، ومن تولى الشيطان ورضي بقيادته وأشرك بالله بسبب طاعته لإبليس سلطه الله عليه عقوبة له، فصار يدفعه إلى المعاصي دفاً ويقوده إلى النار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
إِنَّمَا: أداة حصر وقصر كافة ومكفوفة.
يَتَوَلَّوْنَهُ: يتخذونه ولياً وناصراً ويطيعونه في أمره ونهيه.
مُشْرِكُونَ: جاعلون لله شريكاً في عبادته وألوهيته.
يَتَوَلَّوْنَهُ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وَالَّذِينَ: الواو عاطفة، «الَّذِينَ» اسم موصول معطوف في محل جر.
هُم بِهِ مُشْرِكُونَ: «هُم» ضمير منفصل مبتدأ، «بِهِ» متعلق بـ«مُشْرِكُونَ»، «مُشْرِكُونَ» خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: المقابلة التامة مع الآية (99)؛ ففي الآية (99) نفى سلطانه عن أهل الإيمان والتوكل، وفي هذه الآية أثبت سلطانه وحصره في أهل الولاية والشرك؛ لتكتمل قسمة الخلق أمام كيد إبليس بالبرهان العقلي والنصي المحكم.
الارتباط بما بعده في الآية (101): لما ذكر استحواذ الشيطان على المشركين، بيّن في الآية التالية أعظم شبهة ألقاها الشيطان في أذهانهم للطعن في النبوة؛ وهي شبهة نسخ الآيات وتبديلها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يقال {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} وإبليس يقول يوم القيامة {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ}؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
لا تعارض بين الآيتين في ميزان التحقيق العقلي؛ فالسلطان المنفي في سورة إبراهيم {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} هو «سلطان الإلزام والقهر والحجة الباهرة»؛ أي لم أكن أملك قوة أجبركم بها على الكفر ولا حجة عقلية تلزمكم به.
أما السلطان المثبت هنا {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ} فهو «سلطان التأثير والاستدراج والإغواء التابع لموالاتهم له»؛ فلما أطاعوه بمحض اختيارهم ورضوا به ولياً، مكنه الله من قلوبهم عقوبة لهم؛ فصار كالسيد الذي يوجه عبده المطيع، وهذا السلطان هم الذين أتاحوه له بإرادتهم.
أسلوب القصر بـ{إِنَّمَا} لحصر سلطان الشيطان في هذه الفئة الموالية له؛ لتطمين قلوب المؤمنين وقطع وساوس الخوف من سطوة إبليس.
التعبير بالمضارع {يَتَوَلَّوْنَهُ} لإفادة التجدد والاستمرار؛ أي الذين يديمون طاعته والارتباط به يوماً بعد يوم.
تقديم الجار والمجرور {بِهِ} في قوله {هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} لتأكيد دور الشيطان في إيقاعهم في حمأة الشرك وتزيينه لهم.
الإشارة والتدبر الإيماني: خطورة الخطوة الأولى مع الشيطان؛ فالشيطان لا يستطيع أن يتسلط على قلب عبد حتى يفتح له العبد باب الموالاة بشهوة أو معصية؛ فإذا استجاب له خطوة جره إلى خطوات؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: غرس عقيدة الولاء والبراء؛ فالمؤمن يوالي الله ورسوله والمؤمنين، ويتبرأ من ولاية الشيطان وأعوانه ومذاهبهم الهدامة.
التطبيق العملي: إغلاق كل منافذ الشيطان إلى النفس بحفظ الجوارح، وملازمة الذكر، وتجنب مجالس الفسق والشبهات التي يتسلط فيها شياطين الإنس والجن.
الوجدان الإيماني: عزة النفس المؤمنة بالانتساب إلى ولاية الله، والشعور بالحقارة والشفقة على من رضي بأن يكون خادماً وعبداً لعدوه اللدود إبليس.