تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعز يخاطب رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم تعزية له وتسلية لقلبه الشريف عما يجده من الحزن والأسى لإعراض قومه وكفرهم؛ فيقول: إن تبذل جهدك وحرصك يا محمد على أن يهتدي هؤلاء المشركون، فإن الله قد قضى في سابق علمه أن من خذله وأضله لخبث طينته وعناده لا يهديه أحد إلى الحق، وما لهؤلاء من ناصرين ينقذونهم من عذاب الله ولا من يرد بأس الله عنهم. ويذكر الطبري قراءة الكوفيين «لا يُهْدَى» بضم الياء وفتح الدال على البناء للمجهول، وقراءة الجمهور «لا يَهْدِي» بفتح الياء وكسر الدال؛ والمعنى في القراءتين متكامل.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن المعنى: إن تكن حريصاً على هدايتهم وتبلغ غاية الجهد في إيمانهم، فإن مشيئة الله وقضاءه نافذان؛ فمن كتب الله عليه الضلالة لسبق علمه بعدم أهليته للخير فإنه لا هادي له، كقوله تعالى: {مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، {وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} أي لا أحد ينصرهم من الله إذا أراد بهم سوءاً أو حل بهم عذابه في الدنيا أو في الآخرة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) أن في الآية رداً واضحاً على القدرية الذين يزعمون أن مشيئة العبد تغلب مشيئة الله في الهداية؛ فإن حرص النبي وهو أكرم الخلق لا ينفع من أضله الله وخذله لفساد اختياره؛ وفي الآية دليل على أن الهداية التوفيقية محض خلق الله وتفضله.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير): يبين ابن عاشور أن الشرط في قوله: {إِن تَحْرِصْ} ليس للتعليق على المستقبل بل لتحقيق وجود الحرص الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم، وأن جواب الشرط دل عليه قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ}، وهو من قبيل إقامة الدليل مقام المدلول لبيان أن هذا الحرص النبوي الشريف لا يغير القضاء المبرم في حق المعاندين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
تَحْرِصْ: الحرص هو الشره والاجتهاد البالغ في تحصيل المراد والمبالغة في طلبه.
يُضِلُّ: الإضلال خذلان العبد وسلب التوفيق عنه وتخلية بينه وبين هواه ونفسه.
نَّاصِرِينَ: جمع ناصر، والنصر هو الإعانة والدفع والمنع من المكروه.
القراءات وضبط التوجيه:
قراءة الجمهور: {لَا يَهْدِي} بفتح الياء وكسر الدال (فعل مضارع مبني للمعلوم، فاعله ضمير يعود على الله، ومفعوله «من»).
قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية: {لَا يُهْدَى} بضم الياء وفتح الدال (فعل مضارع مبني للمجهول، و«من» نائب فاعل)؛ أي لا يهتدي ولا يهديه أحد.
التوجيه الإعرابي:
إِن تَحْرِصْ: «إِن» حرف شرط جازم، «تَحْرِصْ» فعل مضارع مجزوم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
فَإِنَّ اللَّهَ: الفاء رابطة لجواب الشرط، «إِنَّ» حرف توكيد ونصب، «اللَّهَ» لفظ الجلالة اسمها منصوب.
لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ: «لَا» نافية، «يَهْدِي» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل ضمير يعود على الله، والجملة في محل رفع خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط (أو دليل الجواب المحذوف). «مَن» اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به، وجملة «يُضِلُّ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره (يضله).
وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ: الواو حالية أو عاطفة، «مَا» نافية تعمل عمل ليس أو مهملة لتقدم الخبر، «لَهُم» جار ومجرور خبر مقدم، «مِّن» حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس، «نَّاصِرِينَ» مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً (أو اسم ما مجرور لفظاً منصوب محلاً) وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما بيّن الله في الآية السابقة أن الناس انقسموا إلى مهتدين وضالين حقت عليهم الضلالة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألم ويحرص بكل طاقته على إيمان هؤلاء المعاندين؛ فجاءت الآية لتخفف وطأة الأسى عن قلبه الشريف، وتوضح له حدود وظيفته النبوية: البلاغ المبين، وأن القلوب بيد مقلبها سبحانه.
الارتباط بمسألة الهداية: تثبيت قاعدة التوحيد في مسألة خلق الأفعال والهداية؛ فالداعية مهما أوتي من بيان وبلاغة وحرص ورحمة لا يستطيع أن يخلق الهداية في قلب معاند آثر العمى على الهدى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تنافي الحرص النبوي مع عدم هداية الضالين: قد يظن جاهل أن عدم هداية هؤلاء الكفار مع حرص النبي صلى الله عليه وسلم يمثل إخفاقاً في الرسالة أو عجزاً في الإقناع.
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
التفريق بين نوعي الهداية:
هداية الدلالة والإرشاد والبيان: وهذه قام بها النبي صلى الله عليه وسلم أتم قيام ولم يقصر فيها طرفة عين، فبلّغ البلاغ المبين وأقام الحجة القاطعة.
هداية التوفيق والإلهام وخلق الإيمان في القلب: وهذه من خصائص الربوبية المتفرد بها الله جل وعلا، كما قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}.
الله سبحانه حكيم عليم، لا يمنع الهداية التوفيقية إلا عمن علم سبحانه أنه لا يصلح للهدى لتماديه في الكبر وحبه للباطل واستكباره؛ فكان صرف التوفيق عنه حكمة وعدلاً، والحرص البشري لا يبدل حكمة الله الكونية.
صياغة الشرط والتوكيد بـ{إِنَّ} في جواب الشرط لقطع كل طمع في إيمان من قضى الله عليه بالشقاء لمعاندته.
الإتيان بالموصول وصلته {مَن يُضِلُّ} لإظهار علة عدم الهداية؛ أي أن صفة الإضلال الجزائي المستحق تمنع دخول الهدى في قلبه المطبوع عليه.
الاستغراق التام في نفي النصرة بزيادة حرف الجر «مِن» في {مِّن نَّاصِرِينَ} وجمعه جمع مذكر سالماً للدلالة على انعدام أي مغيث أو شفيق يدفع عنهم العذاب.
الإشارة والتدبر الإيماني: كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بالخلق حتى كاد يهلك نفسه أسىً على كفرهم؛ وفي المقابل خذلان المعاند الذي يفوّت على نفسه هذه الرحمة المهداة بظلمه وإصراره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تربية الدعاة إلى الله على عدم اليأس والإحباط إذا لم يستجب الناس لدعوتهم، فالمطلوب من الداعية بذل الجهد والحرص، وليس عليه نتائج القلوب ومصائر الخلق.
التطبيق العملي: التوكل على الله وسؤاله الثبات والهداية في كل صلاة؛ فالهداية نعمة ربانية يخشى العبد سلبها بالذنوب والمعاصي التي تجلب الخذلان.
الوجدان الإيماني: امتلاء قلب المؤمن بالرجاء والخوف؛ الخوف من مكر الله وسلب التوفيق، والرجاء لرحمته وفضله، مع استشعار عظمة رحمة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بأمته.