فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
سجلت الآية الكريمة صدور الحكم الإلهي القاطع النهائي على أولئك المستكبرين بالدخول الأبدي في دركات جهنم وأبوابها السبعة المعدة لأصناف الكفار، مخلدين فيها بلا خروج ولا تخفيف، مذيلة بإنشاء الذم الأبلغ لمقر ومستقر المتكبرين. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد وقتادة والسدي في قوله: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا}: "هذا من قول الملائكة لهم عند الموت أو يوم القيامة حين تسوقهم زبانية العذاب؛ يقال لهم خزياً وتقريعاً: ادخلوا أبواب جهنم التي قسمت لكم بحسب أعمالكم وكفركم، خلوداً دائماً لا موت فيه ولا فرج؛ {فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} أي: فبئس المنزل والمأوى والمصير الدائم جهنم للمتعظمين عن الحق وعن عبادة الله واتباع رسله". وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: "أبواب جهنم سبعة أبواب، جزأها الله لأهلها، فلكل باب منهم جزء مقسوم؛ فبئس والله مثوى المتكبرين داراً ومقراً". وقال الإمام القرطبي: "المثوى: الموضع الذي يقام فيه ويثوى إليه، مأخوذ من ثَوَى بالمكان يَثْوِي ثَوَاءً إذا أقام به واستقر؛ وخص المتكبرين بالذكر لأن الكبر هو الأصل الذي منعهم من قبول الحق وقادهم إلى هذا العذاب المهين".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الأمر الإلهي القاهر {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} تعقيباً فاصلاً على انقطاع أعذارهم وكشف كذبهم في الآية السابقة؛ فبعد أن أثبت الله علمه بجرائمهم بقوله {بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، رتب عليه الحكم التنفيذي بالعذاب دون إمهال. وتنكيس رايتهم بتحديد الأبواب {أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} يشير إلى التنظيم الصارم والطبقات السفلية التي يتوزع فيها الكفار بحسب درجات كفرهم وإجرامهم. ثم يربط في ختام الآية بين العقوبة وبين العلة التي قادتهم إليها: {فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}؛ ليتطابق البدء مع الختام مع قوله في الآية (22): {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}، وفي الآية (23): {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}، وهنا: {فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}؛ مما يرسخ في الوعي أن الكبر هو المورد الأكبر إلى دركات الجحيم.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الخوف والوجل من مصير أهل النار: استحضار عذاب جهنم وخلودها يدفع المؤمن إلى تجديد التوبة والاستعاذة الدائمة من عذابها: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم". 2. استئصال الكبر من النفوس: معرفة أن جهنم هي "مثوى المتكبرين" الخاصة بهم تجعل المسلم يفر من الكبر والتعالي كما يفر من الأسد الكاسر. 3. التمسك بالتواضع زاداً للجنة: إذا كان المتكبرون في بئس المثوى، فإن المتواضعين لله هم في أعلى عليين في دار الكرامة والرضوان.