يبين الله جل جلاله أن كل ما يناله هؤلاء المفترون الكاذبون من جاه أو طعام أو رياسة أو منافع دنيوية عاجلة بسبب افترائهم؛ إنما هو متاع نزر يسير سرعان ما يزول ويفنى، يعقبه في الدار الآخرة عذاب موجع دائم لا انقطاع له.
تفسير الطبري (14/ 358)مصدر غير محدد١٤/٣٥٨: يقول ابن جرير: إن ما يتمتع به هؤلاء المفترون على الله الكذب في دنياهم من عيش ورزق متاع قليل؛ لأن أيامه معدودة وهو صائر إلى زوال، ولهم في الآخرة عذاب موجع مؤلم على افترائهم وكذبهم على الله.
تفسير ابن كثير (4/ 610)مصدر غير محدد٤/٦١٠: يوضح ابن كثير أن الدنيا كلها بأسرها منذ خلقت إلى قيام الساعة قليل عند الله، فكيف بحظ المفتري منها؟! كما قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ}، ومتاعهم هذا مستدرج به إلى عذاب أليم.
القرطبي (10/ 195)مصدر غير محدد١٠/١٩٥: يذكر القرطبي أن الآية تقطع مطامع العصاة والمحرفين للدين الذين يأكلون بأديانهم ثمناً قليلاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المتاع: كل ما ينتفع به الإنسان ويزول ولا يبقى كزاد الراكب وأواني البيت، وسُمي متاعاً لأنه يُتَمَتَّعُ به زماناً يسيراً ثم ينقطع.
إعراب {مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}:
{مَتَاعٌ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: (ما ينالونه في الدنيا متاعٌ)، أو (عيشهم في الدنيا متاعٌ)، أو مبتدأ والخبر محذوف أي: (لهم متاع قليل).
{قَلِيلٌ}: نعت لـ {مَتَاعٌ} مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
الواو عاطفة أو حالية، {وَلَهُمْ}: اللام حرف جر، و{هُمْ} ضمير متصل في محل جر، والجار والمجرور خبر مقدم.
{عَذَابٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَلِيمٌ}: نعت لـ {عَذَابٌ} مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة السابقة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البيان والتعليل لعدم الفلاح: لما قضت الآية السابقة بأن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، بينت هذه الآية وجه عدم فلاحهم؛ بأن ما يتراءى لهم من ربح ليس إلا متاعاً تافهاً قصيراً، يعقبه العذاب الأليم؛ فأين الفلاح لمن ربح درهماً زائلاً وخسر جنات الخلود ورضوان الملك المعبود؟!
الإيجاز البليغ بحذف المبتدأ: حذف المبتدأ في {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} للإسراع إلى تحقير هذا المتاع وبيان قصر شأنه وتفاهته.
المقابلة التامة: قابل بين المتاع الموصوف بالقصر والقلة، وبين العذاب الموصوف بالإيلام والشدة؛ لترجيح كفة الخوف والتحذير في النفس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اغترار البعض بنجاح المزورين ودعاة الباطل دنيوياً:
قد يرى الناظر انتشار الباطل وثراء أصحابه ومروجي الفتاوى المضللة فيحسب ذلك فلاحاً ونجاحاً.
المحاكمة العقلية والجواب القرآني: هذا وهم حسي ينخدع بالظاهر السطحي؛ فالقرآن يقرر أن هذا التمتع "قليل" مهما عظم حجمه وتطاولت سنوه، لأنه مقطوع بالموت الحتمي؛ والشيء الذي ينتهي بالزوال هو والعدم سواء، فإذا انضم إلى زواله عذاب مقيم دائم كان هذا المتاع في الحقيقة استدراجاً وعذاباً معجلاً وحسرة أبدية.
الإشارة والتدبر: كل ما تشتريه بمعصية الله أو بالتحريف في دينه هو صفقة مغبونة وبخسة؛ والذكي البصير هو من لا يبيع الأبد بلحظة شهوة عابرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تحذير المشتغلين بالدين من الركون إلى متاع الدنيا وثنائها الزائل على حساب كلمة الحق، فإن ثمن التنازل عن الشريعة قليل تافه وعواقبه وخيمة.
التوجيه التربوي: تنشئة القلوب على استصغار الدنيا أمام الآخرة، والاستعداد لدار الخلود بالعمل الصالح.
الأثر الوجداني: يملأ الآية قلب المسلم زهداً في حطام الدنيا، ورغبة في النعيم المقيم، ورضا بما قسم الله له من الكفاف مع السلامة في الدين.