تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) في تفسيره أن قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بيان للدار والجزاء الذي أعده الله للمتقين الذين قيل لهم ما أنزل ربكم قالوا خيراً؛ و«عدن» في لسان العرب الإقامة الدائمة والخلود الذي لا زوال له ولا ظعن، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به وطنه. وقوله: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} إخبار بأن نعيمهم لا حجر عليه، بل ما تشتهيه أنفسهم وتلذ به أعينهم حاصل لهم بمجرد المشيئة.
تفسير ابن كثير: يذكر الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله جل وعلا أخبر عن جزاء المتقين ومآلهم، فقابل ما ذكر عن الأشقياء في جهنم بما للمتقين في جنات الإقامة الدائمة التي تجري تحت غرفها وبساتينها وأشجارها الأنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} كقوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، {كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} أي بمثل هذا الثواب الأكرم يجزي كل من اتقى الشرك والمعاصي في دار الدنيا.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يورد الإمام القرطبي (ت 671 هـ) أثر ابن عباس رضي الله عنهما في معنى {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أنها قصبة الجنة وقاعدتها، وأن العَدْن هو الخلود والاستقرار التام. ويبين أن قوله: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} مستغرق لجميع أصناف الملاذ الحسية والروحية، بحيث تنتفي عنهم الرغبة فيما عداها لكمال ما يجدون.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يوضح الشيخ السعدي (ت 1373 هـ) أن الجنات أضيفت إلى «عدن» لأنها مستقر النعيم الذي لا تحول عنه ولا يبغون عنه حولاً، وأن التعبير بـ{مَا يَشَاءُونَ} يدل على أن سعة فضل الله تعالى تفوق الخيال البشري؛ فكل ما تمنته النفوس واستحضرته الإرادة وجدوه مهيأ بين أيديهم جزاء لتقواهم لله بحفظ حدوده والالتزام بتوحيده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
جَنَّاتُ: جمع جنة، وأصل المادة (ج-ن-ن) يدل على الستر والتغطية، وسميت البساتين جنات لالتفاف أشجارها وتغطية ظلالها للأرض.
عَدْنٍ: مصدر عدن بالمكان يعدن عدناً إذا لزمه وأقام فيه إقامة لا نقلة معها، ومنه المعدن لأنه مستقر الجواهر في باطن الأرض.
تَجْرِي: الجري هو المرور السريع للماء، وأسند الجري إلى الأنهار اتساعاً ومجازاً، والمراد جري مياه الأنهار.
التوجيه الإعرابي:
جَنَّاتُ عَدْنٍ: «جَنَّاتُ» بدل من «خَيْرٌ» أو من «حَسَنَةٌ» في قوله السابق: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ}، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي جنات عدن، أو مبتدأ وجملة {يَدْخُلُونَهَا} خبره. و«عَدْنٍ» مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
يَدْخُلُونَهَا: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، و«ها» ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والجملة حالية أو استئنافية أو خبر.
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ: جملة فعلية في محل نصب حال من «جَنَّاتُ» أو نعت لها، «مِن تَحْتِهَا» جار ومجرور متعلق بـ«تَجْرِي»، والهاء مضاف إليه، «الْأَنْهَارُ» فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ: «لَهُمْ» شبه جملة جار ومجرور في محل رفع خبر مقدم، «فِيهَا» متعلق بحال محذوفة، «مَا» اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة «يَشَاءُونَ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ: الكاف حرف جر، «ذا» اسم إشارة مجرور محلاً، واللام للبعد والكاف للخطاب، وشبه الجملة متعلق بمحذوف مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي: جزاءً كائناً كذلك الجزاء العظيم يجزي الله المتقين). «يَجْزِي» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة للثقل، «اللَّهُ» اسم الجلالة فاعل مرفوع، «الْمُتَّقِينَ» مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: جاءت هذه الآية الكريمة تفصيلاً للدار الآخرة التي وُصفت قبلها بأنها خير: {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ}؛ فحين أثنى الله على تلك الدار بالمجمل، تشوفت النفوس لمعرفة تفاصيل ذلك النعيم، فجاء البيان الحكيم بذكر الجنات الموصوفة بالخلود الأبدي وجريان الأنهار ونفاذ المشيئة في كل مطلوب.
المقابلة الإعجازية في السورة: تبرز المقابلة الصريحة بين مصير المستكبرين الذين قالوا عن الوحي: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} فقيل فيهم: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}، وبين مصير المتقين الذين استقبلوا الوحي بالقبول والتعظيم فقالوا: {خَيْرًا}؛ فكان جزاؤهم {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}، ليظهر التمايز التام بين الفريقين في القول والمصير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إمكان تعارض المشيئات في الجنة: قد يزعم طاعن أن قوله: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} قد يؤدي عقلاً إلى تناقض إن شاء اثنان أمرين متضادين (كالجمع بين الضدين أو رغبة أحدهما في سلب نعيم الآخر).
رد الإشكال والمحاكمة العقلية: النفوس في الجنة نفوس طاهرة مطهرة من كل دغل وغيرة وحسد ونقص وهوى منازع، كما قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}؛ فلا تدور مشيئتهم إلا في دائرة الكمال والجمال، وتكون مشيئتهم متوافقة مع الحكمة الإلهية وقوانين دار الكرامة، فلا يخطر ببال أحدهم طلب محال عقلاً أو منافٍ للحكمة، بل تتنزل عليهم عطايا الرب تعالى بما يملأ صدورهم رضاً وحبوراً دون أي تصادم بين رغبات أهل الجنة.
التعبير بالصيغة الاسمية {جَنَّاتُ عَدْنٍ} الدالة على الثبوت والاستقرار التام.
إطلاق الموصول في قوله: {مَا يَشَاءُونَ}، وإيثار العموم بـ«ما» لإفادة الاستغراق التام لكل رغبة نفسية أو نعيم حسي ومعنوي، دون تقييد بجنس معين من أنواع النعيم.
الالتفات والتذييل في قوله: {كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ}؛ حيث جاء التذييل مقرراً لسنة إلهية عامة، ومؤكداً أن التقوى هي المعيار الأوحد لهذا التكريم الرباني العظيم.
الإشارة والتدبر الإيماني: أعظم نعيم الجنة ليس مجرد الأنهار والبساتين، بل الحرية المطلقة في نيل ما تشتهيه النفس في كنف الرضا الإلهي، والتحرر من منغصات الدنيا حيث يرتبط الطلب بالتعب والتنازع؛ أما في الجنة فالمشيئة نافذة بمجرد ورود الخاطر فضلاً من الرب الرحيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: غرس اليقين في قلوب السائرين إلى الله بأن حرمان النفس من بعض لذائذ الدنيا المحرمة أو ضبطها بحدود التقوى ليس كبتاً، بل هو ادخار لحرية المشيئة المطلقة في دار الخلد حيث {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ}.
التطبيق العملي: تعميق خُلق التقوى في الخلوات والظواهر، فكل من أراد أن تنفذ رغباته في الآخرة، فليوقف رغباته في الدنيا عند مشيئة ربه وأوامره.
الوجدان الإيماني: امتلاء قلب العبد بالشوق إلى جنات عدن، واستصغار مشاق التكليف الدنيوي مهما بلغت، استحضاراً لهذا الجزاء الذي ختمه الحق بقوله: {كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ}.