الأمر الخاص للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر والاستعانة بالله:
بعد أن خاطب الأمة كافة بالصبر في قوله {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}، أفرد نبيه ورسوله وخيرة خلقه محمداً صلى الله عليه وسلم بأمر خاص حازم بالصبر، مبيناً له أن طاقة الصبر وثباته إنما هما بتوفيق الله وتأييده ومعونته، ونهاه عن الحزن على إعراض الكافرين وضيق الصدر من مكرهم وكيدهم.
تفسير الطبري (14/ 376)مصدر غير محدد١٤/٣٧٦: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة: واصبر يا محمد على ما أصابك في الله من الأذى والمكاره ولقيته من قومك، وما صبرك إلا بتثبيت الله لك وتوفيقه ومعونته، ولا تحزن على من كفر بك وأعرض عن دعوتك إن لم يؤمنوا، ولا يضق صدرك بكيدهم ومكرهم فإن الله ناصرك وكافيك أمرهم.
تفسير ابن كثير (4/ 616)مصدر غير محدد٤/٦١٦: يوضح ابن كثير أن قوله {وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} توجيه نبوي شريف للتوكل التام والالتجاء الصادق إلى الله؛ فالصبر شاق على النفوس ولا يستطاع إلا بطلب المعونة من الله العظيم، وقوله {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} كقوله: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}؛ شفقة ورحمة بقلب النبي، وتطمين له بأن مكر الأعداء سيرد إلى نحورهم.
القرطبي (10/ 208)مصدر غير محدد١٠/٢٠٨: ينبه القرطبي إلى أن النهي عن الضيق والحزن نهي عن الاستسلام لآثارهما وإضعاف العزيمة، وأما ما يعتري الطبع البشري من كدر عابر فلا حرج فيه ما دام القلب معتصماً بالله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الضيق: بفتح الضاد (ضَيْقٍ) مصدر ضاق يضيق، أو صفة مشبهة كالهَيْن واللَّيْن، وقرئ بالكسر (ضِيقٍ) وهو اسم لما يضيق به الصدر من الحرج والغم والهم.
المكر: التدبير الخفي في إلحاق الضرر بالخصم، ومكرهم: مؤامراتهم الخبيثة لقتل النبي أو حبسه أو إخراجه وصد الناس عن دعوته.
{مِّمَّا}: {مِنْ} حرف جر للسببية، و{مَا} مصدرية أي من مكرهم، أو اسم موصول متعلق بـ {ضَيْقٍ}.
{يَمْكُرُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من العام إلى الخاص: لما قال للأمة {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}، خص قائد الأمة وإمامها بالأمر المباشر الصارم {وَاصْبِرْ}؛ لأن مقام القيادة والدعوة يتطلب صبراً مضاعفاً لا يقاس به صبر غيره.
تجريد الصبر من الحول الشخصي: أتبع الأمر بالصبر بالحصر التام {وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ}؛ لئلا يظن ظان أن الصبر مهارة ذاتية أو قدرة بشرية بحتة، بل هو عطاء ومدد إلهي محض يُستجلب بالافتقار والتوكل.
تسلية قلب النبي وحمايته من الإحباط: نهى عن الحزن على الكافرين والضيق بمكرهم؛ ليفرغ قلبه لمهمة البلاغ ولا يستنزف طاقته النفسية في التأسف على المعاندين أو الرهبة من كيد المتآمرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة النهي عما لا يملك في {وَلَا تَحْزَنْ} و{وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ}:
الحزن والضيق انفعالان نفسيان قهريان يعتريان الإنسان رغماً عنه عند المصائب والمكر، فكيف ينهى القرآن عنهما؟
البرهان والتحقيق النفسي والشرعي: النهي هنا ليس موجهاً إلى مجرد الشعور الأولي الفطري المجرد العابر؛ بل هو نهي عن الاسترسال مع الحزن، ونهي عن التمادي في الضيق والتأثر به تأثراً يعطل مسيرة الدعوة أو يورث اليأس والوهن. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحزن وتفيض عيناه ويضيق صدره كما قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}، فوجهه الله إلى ما يمحو هذا الضيق وهو التسبيح والاعتصام بربه؛ فالمقصود بالنهي هو النهي عن لوازم الحزن والضيق السلبية.
أسلوب القصر والحصر بـ {مَا... إِلَّا}: لقصر فاعلية الصبر وتحققه على معونة الله، وفيه توجيه بليغ للاستعانة بالله والتبري من الحول والقوة.
حذف النون في {وَلَا تَكُ}: لتخفيف اللفظ وسرعة نفي واستبعاد الضيق عن ساحة صدره الشريف.
الظرفية في {فِي ضَيْقٍ}: شبه استيلاء الغم والهم بالوعاء أو المكان الضيق الحرج الذي يحيط بالإنسان ويحصره، فنهي عن الدخول في هذا الحيز الخانق.
الإشارة والتدبر: كل مكر يمكره البشر ضد الحق محكوم عليه بالفشل والبوار؛ والمؤمن الراسخ لا يضيق ذرعاً بمؤامرات الأعداء؛ لأنه يعلم أن خيوط التدبير بيد ربه العزيز القهار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ثبات الداعية مستمد من صلته بالله؛ فحين تحاصره مؤامرات المبطلين وإعلامهم الكاذب، عليه ألا يتراجع ولا يضيق صدره، بل يستعين بالصبر والصلاة.
التوجيه التربوي: تربية النفس على التبرؤ من الحول والقوة الشخصية؛ فالعبد لا يقوى على الصبر على البلاء ولا على طاعة الله إلا بإعانة ربه وتوفيقه.
الأثر الوجداني: يشعر المسلم بطمأنينة وسكينة عظمى تنزل على قلبه، ويتلاشى خوفه من مكر الماكرين، متيقناً بأن الله يحميه ويكلؤه برعايته.