تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام الطبري (ت 310 هـ) أن المشركين من قريش أنكروا أن يكون رسول الله بشراً، وقالوا: ما وجد الله إلا يتيماً فقيراً ليرسله؟! وهلا أرسل ملكاً من السماء! فرد الله عليهم مبطلاً جهلهم: وما أرسلنا يا محمد من قبلك إلى الأمم الماضية إلا رجالاً من البشر ولم نرسل ملائكة، نوحي إليهم كما نوحي إليك، {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}؛ أي سلوا أهل الكتب السالفة من اليهود والنصارى هل كان الرسل الذين جاؤوا إبراهيم وموسى وعيسى بشراً أم ملائكة؟ فإنهم يخبرونكم أنهم كانوا بشراً رجالاً، فتبطل شبهتكم في استنكار بشرية محمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله تعالى يرد على منكري بعثة الرسل من البشر؛ بأن سنته سبحانه التي مضت في خلقه أن يرسل إليهم رجالاً من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبتهم وسماع كلامهم والتعلم منهم، ولم يرسل نساءً ولا جناً ولا ملائكة، بل رجالاً من أهل القرى، وأمر مشركي مكة بالرجوع إلى أهل التوراة والإنجيل ليسألوهم عن جنس الرسل المتقدمين ليقطع دابر ريبهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) أن الآية أصل عظيم في وجوب سؤال أهل العلم والرجوع إليهم فيما لا يعلمه المرء؛ و«أهل الذكر» هم أهل العلم بالكتاب والدين، وإن كان السياق نزل في أهل الكتاب لكون المشركين يقرون بعلمهم بالشرائع السالفة، إلا أن العبرة بعموم اللفظ فتشمل كل من سأل عالماً بالكتاب والسنة عما جهله من الأحكام.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تتضمن قاعدتين عظيمتين: الأولى بشرية الرسل وذكوريتهم، والثانية إيجاب سؤال أهل العلم لمن جهل، وتعديل أهل العلم بوجوب الرجوع إليهم، وأن من لا يعلم واجبه التقليد والاتباع لأهل الاختصاص والدراية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
رِجَالًا: جمع رجل، وهو الذكر من بني آدم بعد البلوغ والقوة، واستدل به على اختصاص النبوة بالرجال دون النساء.
نُّوحِي: الوحي الإعلام السريع الخفي، والمراد به كلام الله وتشريعه المنزل على أنبيائه بواسطة الملك جبريل عليه السلام.
الذِّكْرِ: الذكر يطلق على الكتاب الإلهي (التوراة، الإنجيل، القرآن)، وعلى العلم والشرف؛ والمراد أهل العلم بالكتب والشرائع الماضية.
القراءات وضبط التوجيه:
قراءة الجمهور: {نُّوحِي إِلَيْهِمْ} بنون العظمة وكسر الحاء على البناء للمعلوم.
قراءة حفص عن عاصم في بعض الطرق أو قراءة الأعمش: {يُوحَى إِلَيْهِمْ} بياء الغيبة وفتح الحاء على البناء للمجهول.
التوجيه الإعرابي:
وَمَا أَرْسَلْنَا: الواو استئنافية، «مَا» نافية، «أَرْسَلْنَا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» ضمير فاعل.
نُّوحِي إِلَيْهِمْ: «نُّوحِي» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، «إِلَيْهِمْ» متعلق بـ«نُّوحِي»، والجملة الفعلية في محل نصب نعت لـ«رِجَالًا».
فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر (إن شككتم في ذلك فاسألوا)، «اسْأَلُوا» فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، «أَهْلَ» مفعول به منصوب، «الذِّكْرِ» مضاف إليه مجرور.
إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ: «إِن» حرف شرط جازم، «كُنتُمْ» فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، وجملة «لَا تَعْلَمُونَ» في محل نصب خبر كان، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله (أي: إن كنتم لا تعلمون فاسألوهم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد تفصيل شأن التوحيد والهجرة ووعد المهاجرين، عاد السياق لمناقشة أصل الشبهات المتعلقة بالرسالة والنبوة، وهي استنكار المشركين كون الرسول رجلاً بشراً من بني قومهم؛ فردهم القرآن إلى السنن التاريخية السالفة وإلى شهادة أهل الملل السابقة لإسقاط شبهتهم.
قوة الإلزام بالحجة: ألزمهم القرآن بما يقرون به ضمناً؛ فمشركو مكة كانوا يعظمون أحبار اليهود ويسألونهم عن شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فأحالهم الله على من يعترفون بعلمهم ليقطع لجاجتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يرسل الله ملكاً بدل البشر؟: استدل المشركون بأن عظمة الرسالة الإلهية تقتضي أن يكون حاملها ملكاً سماوياً لا يحتاج للطعام والشراب والأسواق.
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الحكمة في تجانس الرسول مع المرسَل إليهم: لو أرسل الله ملكاً لما استطاع البشر رؤيته على صورته الملائكية لعظم خلقته؛ ولو تجسد في صورة رجل لقالوا: هذا ساحر أو بشر، وعادت الشبهة ذاتها؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}.
ضرورة القدوة والاتباع: الغاية من الرسالة ليست مجرد إلقاء الأوامر، بل تقديم النموذج والقدوة العملية التي يمكن للإنسان أن يقتدي بها في صبره وأخلاقه وعبادته وأسرته؛ والملك لا يطعم ولا ينكح ولا يمرض ولا يغضب، فلا يصح أن يكون قدوة للبشر في معاناتهم الدنيوية. فكان إرسال البشر رحمة وحكمة بالغة.
أسلوب النفي والاستثناء {وَمَا أَرْسَلْنَا... إِلَّا رِجَالًا} لإفادة القصر؛ تأكيداً على أن البشرية والرجولية هي السنة الإلهية المطردة في جميع الأنبياء.
التعبير بلفظ {رِجَالًا} المنكر الدال على كمال الرجولة البدنية والمعنوية وقوة التحمل وحسن التدبير للمجتمعات.
التعليق بالشرط {إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} توبيخاً لهم على الجهل بما هو معلوم مشهور في تاريخ الإنسانية والكتب السالفة.
الإشارة والتدبر الإيماني: قاعدة التخصص العلمي؛ فالجاهل بأمر دينه أو دنياه يجب عليه رد الأمر إلى المتخصصين والراسخين في العلم، وفي هذا نبذ للفوضى الفكرية والجرأة على الفتوى بغير علم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ المرجعية العلمية الموثوقة؛ فالرجوع لأهل الذكر يحمي المجتمع من الضلال والانحراف والشبهات الفكرية الهدامة.
التطبيق العملي: التواضع وسؤال أهل العلم عما يشكل من أحكام الدين، وتجنب الخوض في مسائل الحلال والحرام بغير علم أو استناد إلى دليل راسخ.
الوجدان الإيماني: تعظيم مقام الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله وجمع لهم كمال الخلق وطهارة السريرة ليكونوا مشاعل هداية للبشرية جمعاء.