تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن اللام في قوله: {لِيَكْفُرُوا} لام العاقبة والصيرورة أو لام كي، والمعنى: جعلوا لله شريكاً ليكون عاقبة أمرهم أن يجحدوا نعمة الله التي أنعم بها عليهم من كشف الضر وإسباغ العافية؛ ثم التفت بالخطاب إليهم على وجه التهديد والوعيد الشديد: {فَتَمَتَّعُوا} أي فتمتعوا بدنياكم الفانية وزهرتها الزائلة قليلاً، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبة كفرانكم وشرككم حين ينزل بكم عذاب الله في الآخرة أو يحل بكم بأسه في الدنيا.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذا تهديد أكيد من الله للكافرين؛ فقوله {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ} أي ليجحدوا نعمنا عليهم بإنجائهم وكشف كروبهم، {فَتَمَتَّعُوا} أمر تهديد وتوبيخ، كقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}، وقوله: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ}؛ وسيعلمون سوء مغبة شركهم وجحودهم إذا عاينوا الحساب.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أن صيغة الأمر في {فَتَمَتَّعُوا} ليست للإباحة ولا للترخيص، وإنما هي صيغة أمر خرجت مخرج الوعيد والزجر الشديد بالإجماع، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}؛ وحذف مفعول {تَعْلَمُونَ} لتفخيم الأمر وتهويل العذاب المتوعد به.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هؤلاء المشركين لم يشكروا الله على نعمته بكشف الضر، بل استعملوا نعمته في الكفر به والإشراك معه؛ فتوعدهم بأن هذا التمتع متاع زائل حقير، وسيعقب ذلك علم اليقين حين يرون العذاب عياناً وتنكشف لهم عواقب ظلمهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
لِيَكْفُرُوا: الكفر ضد الشكر، وهو جحود النعمة وسترها، وأصله من الكفر وهو الستر والتغطية.
فَتَمَتَّعُوا: المتاع والتمتع الانتفاع بالشيء مدة يسيرة ثم زواله وانقضاؤه.
تَعْلَمُونَ: العلم إدراك الشيء بحقيقته، واستعمل هنا مهدداً بالعلم الحسي واليقيني بالعذاب.
التوجيه الإعرابي:
لِيَكْفُرُوا: اللام لام العاقبة والصيرورة (أو لام التعليل)، «يَكْفُرُوا» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول متعلق بـ«يُشْرِكُونَ» في الآية السابقة.
بِمَا آتَيْنَاهُمْ: الباء حرف جر، «مَا» اسم موصول مبني في محل جر بالباء، «آتَيْنَاهُمْ» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، والهاء مفعول به أول، والميم للجمع، والمفعول الثاني محذوف تقديره (من النعم)، وجملة آتيناهم صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والجار والمجرور متعلق بـ«يَكْفُرُوا».
فَتَمَتَّعُوا: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر (إذا كان هذا صنيعكم فتمتعوا)، «تَمَتَّعُوا» فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وهو أمر تهديد ووعيد.
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ: الفاء عاطفة لربط الوعيد بالأمر، «سَوْفَ» حرف استقبال وتأكيد وتهديد، «تَعْلَمُونَ» فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، ومفعول العلم محذوف للتهويل تقديره (فسوف تعلمون عاقبة أمركم أو وبال شرككم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: ترتبط هذه الآية ارتباط العلة والنتيجة بالآية السابقة؛ فبعد أن فاجأوا مشهد كشف الضر بالإشراك: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}، جاء بيان العاقبة المخزية لهذا الإشراك بلام الصيرورة {لِيَكْفُرُوا}؛ ثم تحول الأسلوب مباشرة من الغيبة إلى الخطاب المباشر {فَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} لإيقاع الهيبة والتهديد في صدورهم.
الارتباط ببيان تفاصيل شركهم في الآية (56): الآيات الآتية هي بمثابة تفصيل لنماذج كفرانهم بما آتاهم؛ فبدأ بذكر جعلهم نصيباً من رزق الله للأصنام، ثم جعلهم البنات لله، لبيان انحطاط تفكيرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يؤمرون بالتمتع {فَتَمَتَّعُوا} والتمتع بالكفر محرم ومنهي عنه؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
صيغة الأمر في لسان العرب تأتي لأغراض بلاغية شتى غير الوجوب والإباحة، ومن أشهرها «التهديد والوعيد والتسخير والتعجيز»؛ كقول السيد لعبده المتمرد: «افعل ما بدا لك فسترى ما أصنع بك».
فالأمر بالتمتع هنا إنما هو إعلام بقرب انتهاء مهلتهم، وأن متاعهم حقير ومحدود لا ينجيهم من الحساب المحتوم؛ كما أكده حرف التهديد والتسويف في قوله تعالى: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}.
الالتفات البديع من الغيبة {لِيَكْفُرُوا} إلى الخطاب والمواجهة {فَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}؛ لما فيه من تركيز الإنذار وقطع مسالك التهرب.
صيغة الأمر التهديدي المقترنة بالفاء الفصيحة الدالة على سرعة انفتاح باب العقوبة بمجرد فناء التمتع الدنيوي القصير.
حذف مفعول {تَعْلَمُونَ} لإطلاق الخيال في استشعار أصناف الهلاك والعذاب الأليم الذي ينتظرهم، فالمبهم في باب التهويل أبلغ من المصرح به.
الإشارة والتدبر الإيماني: استدراج أهل الباطل بنعيم الدنيا ليس دليلاً على كرامتهم عند الله؛ بل هو استدراج وتمتيع قليل يعقبه حساب عسير، فالمغبون من غره طول الأمل ورغد العيش وهو مقيم على معصية ربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تحذير القلوب من الركون إلى الملذات الدنيوية إذا كانت مقرونة بالغفلة عن شكر المنعم؛ فإن التمتع الحقيقي هو ما كان في طاعة الله ومرضاته.