تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن هذه الآية تمثل ميثاق السعادة البشرية العام الجامع للرجل والمرأة على السواء؛ والمعنى: من أطاع الله وعمل بمحكم كتابه وسنة نبيه عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله، ذكراً كان العامل أو أنثى، وهو مصدق بتوحيد الله ووعده ووعيده؛ فلنحيينه في دار الدنيا «حياة طيبة»؛ وهي حياة القناعة والرضا والرزق الحلال وطمأنينة القلب وانشراح الصدر ونور الهداية؛ ولنجزينهم في الدار الآخرة ثوابهم وجناتهم بأحسن ما كانوا يعملون. وينقل الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن «الحياة الطيبة» هي: القناعة، والرزق الحلال، وحلاوة الطاعة، وانشراح الصدر بالإيمان.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذا وعد صادق من الله تعالى لكل من جمع بين العمل الصالح والإيمان الصادق من الرجال والنساء؛ بأن يرزقه الله الحياة الطيبة في الدنيا والجزاء الأوفى في الآخرة؛ والحياة الطيبة تشمل كل وجوه الراحة والسكينة؛ فإن المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، فهو في نعيم وطمأنينة في جميع أحواله، بخلاف الكافر الذي يعيش في ضنك وضيق وقلق ولو ملك الدنيا بحذافيرها.
الثاني: القناعة بما قسم الله؛ وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس.
الثالث: توفيق الله للعبد إلى الطاعات التي يجد بها لذة الأنس بربه.
الرابع: حياة الجنة في الآخرة؛ ورجح الجمهور أنها حياة الدنيا الموصولة بنعيم الآخرة؛ لقوله بعدها: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم}؛ فجمع له بين طمأنينة الدنيا وفوز الآخرة.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية من أعظم آيات القرآن في تقرير أسباب السعادة الحقيقية؛ فبينت أن السعادة ليست بالمال والجاه والشهرة، بل بركيزتين متلازمتين: «الإيمان الصحيح» و«العمل الصالح»؛ فمن حققهما نال الحياة الطيبة براحة البال والسكينة والرضا التام في الدنيا، ونال الدرجات العلى في جنات النعيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
صَالِحًا: العمل الصالح هو ما اجتمع فيه شرطان: الإخلاص لله، والمتابعة لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
حَيَاةً طَيِّبَةً: الحياة المنزهة عن نكد المعصية والشك والضيق، الممتلئة بنور الإيمان والرضا والسكينة.
وَهُوَ مُؤْمِنٌ: جملة حالية تشترط صحة الإيمان لقبول العمل الصالح واستحقاق الوعد.
التوجيه الإعرابي:
مَنْ عَمِلَ: «مَنْ» اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ، «عَمِلَ» فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
صَالِحًا: مفعول به لـ«عَمِلَ» منصوب بالفتحة (أو صفة لمصدر محذوف أي عملاً صالحاً).
وَهُوَ مُؤْمِنٌ: الواو حالية، «هُوَ» مبتدأ، «مُؤْمِنٌ» خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل عمل (قيد لا بد منه لقبول العمل).
فَلَنُحْيِيَنَّهُ: الفاء رابطة لجواب الشرط، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، «نُحْيِيَنَّهُ» فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول، وجملة جواب القسم المقدر في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ «مَنْ».
حَيَاةً: مفعول به ثانٍ لـ«نُحْيِيَنَّهُ» منصوب بالفتحة (أو مفعول مطلق).
طَيِّبَةً: نعت لـ«حَيَاةً» منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: تقدم إعراب نظيرها في الآية السابقة، وعاد الضمير جمعاً {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ} حملاً على معنى «مَنْ».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: ترتبط هذه الآية بما قبلها ارتباط النتيجة بالمقدمة؛ فبعد أن بين في الآية (96) أن ما عند الله باقٍ وأن الصابرين مجزيون بأحسن أعمالهم، فصّل هنا الشرط الإلهي التام المحيط لنيل هذه السعادة العاجلة والآجلة؛ ليعلم كل إنسان ذكراً كان أو أنثى أن ميزان الله ميزان عدل ورحمة لا يحابي أحداً بنسبه ولا بجنسه.
التسوية العادلة بين الذكر والأنثى: جاء النص الصريح {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} لترسيخ كرامة المرأة في ميزان العمل والجزاء؛ فالإسلام سوى بين الرجل والمرأة في الأهلية التكليفية والمسؤولية الأخلاقية واستحقاق الحياة الطيبة ونعيم الجنة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يوعد المؤمن بـ{حَيَاةً طَيِّبَةً} ونحن نرى كثيراً من المؤمنين الصالحين يبتلون بالفقر والمرض والمصائب؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
«الحياة الطيبة» في ميزان الوحي والحقيقة ليست هي الغنى الفاحش والترف المادي والجاه الدنيوي؛ بل هي «حياة القلب وطمأنينة الروح ورضا النفس»؛ فالمؤمن الصالح يملك ثروة الرضا والقناعة واليقين التي تجعله أغنى الناس وأسعدهم ولو كان يبيت على الحصير ولا يجد إلا قوت يومه.
ومصداق ذلك الحديث الصحيح: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»؛ فالمؤمن الصابر في بلائه يتنزل عليه من السكينة ولذة مناجاة ربه ما يجعل مرارة البلاء تنقلب حلاوة؛ بينما الكافر الفاجر يعيش في جحيم القلق والهلع والشك ولو ملك قصور الأرض؛ فالحياة الطيبة حياة روحية ونفسية حقيقية تتجاوز ظواهر المادة.
الشرط المقيد بالحال {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}؛ للدلالة على أن العمل الصالح مهما كان نافعاً للبشرية كالطب والخيرات لا ينفع صاحبه عند الله ولا يثمر حياة طيبة حقيقية إلا إذا قام على أساس الإيمان والتوحيد؛ فالإيمان هو شرط قبول العمل ومعدن صحته.
التوكيد بالقسم واللام ونون التوكيد في الموضعين {فَلَنُحْيِيَنَّهُ... وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ}؛ لقطع دابر الشك وتثبيت الوعد الإلهي بالجزاء المزدوج: جزاء عاجل في الدنيا (حياة طيبة)، وجزاء آجل في الآخرة (أجر بأحسن العمل).
الانتقال من الإفراد {فَلَنُحْيِيَنَّهُ} حملاً على لفظ «من» إلى الجمع {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ} حملاً على معناها؛ لبيان سعة فضل الله وشمول رحمته لجموع الصالحين والصالحات.
الإشارة والتدبر الإيماني: جنة الدنيا المعجلة؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة؛ وهي جنة معرفة الله ومحبته وطمأنينة القلب بذكره»؛ فالحياة الطيبة هي هذه الجنة المعجلة التي يعيشها أهل الإيمان في الدنيا قبل الآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ مبدأ العدالة والمساواة الإيمانية بين الرجل والمرأة؛ فالمرأة شقيقة الرجل في التكليف والأجر، وكل منهما مدعو لصناعة الحياة الطيبة بالعمل الصالح.
التطبيق العملي: الجمع بين تصحيح العقيدة (الإيمان) وإتقان العمل الصالح في سائر مجالات الحياة الأسرية والمهنية والتعبدية لنيل السعادة الحقيقية.
الوجدان الإيماني: انشراح الصدر والرضا التام بقضاء الله وقدره، واليقين بأن السعادة تنبع من طاعة الله والاتصال به، لا من المظاهر الدنيوية الخادعة.