تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يختم هذا السياق ببيان مصير هؤلاء الطاعنين المعاندين وحرمانهم من التوفيق؛ والمعنى: إن الذين جحدوا بآيات الله وحججه الواضحة ولم يصدقوا بكتابه ورسله تكبراً وعناداً، لا يوفقهم الله لسلوك طريق الهدى ولا يشرح صدورهم للإيمان جزاءً لتعنتهم ومكابرتهم؛ ولهم في الدار الآخرة عذاب موجع شديد الألم لا ينقطع عنهم.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله يخبر عن حكمه القدري والجزائي في حق من كذب بآياته بعد وضوحها وعاند الحق؛ فإنه تعالى يسلب عنهم التوفيق ويصرف قلوبهم عن الهداية، كقوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}، وقوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}؛ فلا يهديهم الله ما داموا مصرين على هذا الكفر والجحود، ومآلهم المحتوم في الآخرة هو العذاب الأليم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) استدلال علماء العقيدة بهذه الآية على أن التوفيق والهداية بفضل الله ومشيئته، وأن خذلان الكافر عدل من الله وقضاء مبرم على من علم الله منه أنه لا يؤمن؛ وفيها وعيد زاجر لكل من عاند البينات وآثر الضلالة على الهدى.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تكشف سنن الله في القلوب؛ فمن فتح قلبه لآيات الله زاده الله هدى ونوراً، ومن قابل آيات الله بالتكذيب والسخرية والافتراء عاقبه الله بسلب الهداية وختم على قلبه، فاجتمع عليه خذلان الدنيا بالعمه في الضلال وخزي الآخرة بالعذاب الأليم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ: «لَا» نافية، «يَهْدِيهِمُ» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والهاء مفعول به والميم للجمع، «اللَّهُ» لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: تذييل حاسم وخاتمة مرعبة لردود المشركين وشبهاتهم؛ فبعد أن رد القرآن على زعمهم الافتراء في الآية (101)، ورد على فرية الغلام الأعجمي في الآية (103)، بيّن هنا العلة العميقة التي تمنعهم من الإيمان؛ وهي أن قلوبهم طُبع عليها بسبب إصرارهم على الكفر، فحُرموا نور الهداية وصاروا إلى العذاب الأليم.
الارتباط بالآية التالية (105): مهد هذا الوعيد لقوله في الآية (105): {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}؛ ليعود الاتهام بالافتراء على أصحابه الحقيقيين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يقال {لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ} وقد آمن بعض من كان مكذباً بعد ذلك؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الآية تتناول وصفين محكمين:
الأول: الذين ماتوا على الكفر وقضى الله في سابق علمه أنهم يختارون الضلالة ويموتون عليها؛ فهؤلاء لا يهديهم الله أبداً.
الثاني: الدلالة على سنّة الوصف؛ أي ما داموا مقيمين على صفة «عدم الإيمان والتكذيب بالآيات والطعن فيها»، فإن الله لا يهديهم في تلك الحال؛ لأن الإصرار على التكذيب يمنع نفوذ نور الهداية إلى القلب؛ فإذا أناب العبد وتخلى عن الكبر أقبل الله عليه وهداه؛ فالخذلان ملازم لصفة التكذيب والعناد.
تصدير الآية بـ{إِنَّ} التوكيدية لتقرير هذه السنة الإلهية التي لا تتبدل في حرمان المعاندين من التوفيق.
المقابلة الجزائية الصارمة: هم كذبوا بآيات الله {لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}، فقوبلوا بسلب الهداية {لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ}؛ لبيان أن الجزاء من جنس العمل.
الجمع بين خسران الدنيا (الحرمان من الهداية) وخسران الآخرة (العذاب الأليم)؛ لبيان الخيبة المطلقة للمكذبين.
الإشارة والتدبر الإيماني: الخوف من عقوبة القلب؛ أعظم عقوبة يعاقب بها العبد في الدنيا ليست نقص المال أو المرض، بل هي أن يسلب الله منه التوفيق لصالح الأعمال وأن يزيغ قلبه عن قبول الحق؛ فالمؤمن يرتعد وجلاً من أن يرد آية من كتاب الله فيحرم الهدى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تعظيم نصوص الوحي وآيات القرآن في النفوس، والحذر الشديد من الجدل بالباطل لرد الحق أو الاستهزاء بنصوص الشريعة.
التطبيق العملي: سرعة الاستجابة لآيات الله وأوامره فور سماعها، وسؤال الله الدائم الثبات والهداية وتجنب أسباب الزيغ والضلال.
الوجدان الإيماني: الافتقار المطلق إلى هداية الله، واليقين بأن الهداية منحة ربانية لا تنال إلا بالتواضع والانقياد لكتاب الله ورسوله.