تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه يأمر عباده بالتوحيد الخالص ويفسد مذاهب المشركين؛ والمعنى: وقال الله لجميع المكلفين: لا تتخذوا معبودين اثنين، ولا تجعلوا لي شريكاً في الإلهية والعبادة؛ ما الإله الحق إلا معبود واحد متفرد بالخلق والرزق والتدبير؛ {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} أي فاخافوني وحدي وخافوا عقابي وسطوتي إن أشركتم بي شيئاً، ولا تخافوا الأصنام ولا الطواغيت؛ فإن النفع والضر بيدي وحدي.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذه الآية رد قاطع على الثنوية وأهل الشرك؛ فبين سبحانه أنه لا إله إلا هو، ولا يستحق العبادة سواه؛ فإذا كان اتخاذ إلهين اثنين باطلاً ومحذوراً بنص الآية، فبطلان اتخاذ آلهة متعددة وثلاثة وأكثر من باب أولى وأظهر في القياس العقلي؛ ثم أمر برهبته وحده لأن أمر الملك كله إليه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) الحكمة في النهي عن «إلهين اثنين»؛ فذكر العدد «اثنين» توكيد لقطع أي توهم للتعدد؛ لأن أقل الجمع اثنان في باب الشركة؛ فإذا بطلت الثنائية استحال التعدد مطلقاً وبطل مذهب المجوس والثنوية والنصارى وغيرهم. ويبين أن قوله: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} التفات من الغيبة إلى التكلم لإلقاء الهيبة وإيقاع الرعب في قلوب المشركين.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر السعدي أن هذه الآية نصت على توحيد الألوهية القائم على توحيد الربوبية؛ فكما أنه لا خالق إلا الله، فلا يجوز أن يُعبد إلا الله؛ وأمر العباد بإخلاص الرهبة له وحده؛ لأن من خاف غير الله وقع في الشرك وسلب قلبه التوحيد الصافي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
إِلَٰهَيْنِ: تثنية إله، والإله هو المعبود بحق أو بباطل، وتأله الرجل إذا عبد وأخلص.
اثْنَيْنِ: توكيد لفظي لـ«إلهين» لبيان الاقتصار على هذا العدد ولإبراز استحالة الشريك.
فَارْهَبُونِ: الرهبة خوف مقرون بتحرز وعمل واضطراب وتجنب للمهالك، وحُذفت الياء للتخفيف ورعاية الفواصل والكسرة دليل عليها.
التوجيه الإعرابي:
وَقَالَ اللَّهُ: الواو استئنافية، «قَالَ» فعل ماض مبني على الفتح، «اللَّهُ» لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
لَا تَتَّخِذُوا: «لَا» ناهية جازمة، «تَتَّخِذُوا» فعل مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب مقول القول.
إِلَٰهَيْنِ: مفعول به أول منصوب بالياء لأنه مثنى.
اثْنَيْنِ: نعت لـ«إِلَٰهَيْنِ» مؤكد له منصوب بالياء لأنه ملحق بالمثنى.
إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ: «إِنَّمَا» كافة ومكفوفة تفيد الحصر، «هُوَ» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، «إِلَٰهٌ» خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، «وَاحِدٌ» نعت مرفوع بالضمة والجملة مستأنفة مؤكدة للنهي.
فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر (إن كنتم ترهبون شيئاً فإياي)، «إِيَّايَ» ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم لفعل محذوف يفسره ما بعده تقديره (ارهبوا إياي)، الفاء الثانية زائدة لتزيين اللفظ وتأكيد الربط، «ارْهَبُونِ» فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والجملة مفسرة لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن عرضت الآيات السابقة كمال انقياد الكائنات وخضوعها وتسبيح الملائكة وخوفها من ربها، جاء القول الفصل المباشر من الله تعالى في شأن التوحيد؛ فكأن الكون كله ينادي بالوحدانية، فأكده الخطاب الإلهي الصريح بالنهي عن الشرك والأمر بالرهبة من الله وحده.
الانتقال من صيغة الغيبة إلى التكلم: قال في مطلع الآية: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا... إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} بالاسم الظاهر وضمير الغيبة، ثم التفت التفاتاً بديعاً إلى ضمير التكلم: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}؛ لما يقتضيه مقام التحذير والتخويف من المواجهة المباشرة بجلال الذات العلية لقطع كل جرأة في النفوس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا قال {لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ} ولفظ «إلهين» كافٍ في الدلالة على التثنية؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الوصف بـ{اثْنَيْنِ} بعد «إلهين» ليس حشواً ولا تكراراً عبثياً؛ بل له دلالة بلاغية وتشريعية قاطعة في لسان العرب؛ فالاسم الدال على العدد قد يطلق ويراد به النوع والصفة دون العدد الحقيقي، فجاء لفظ «اثنين» للتنصيص على منع العدد ذاته ولبيان أن مبدأ التعدد والشركة في الألوهية ممتنع بذاته.
وهو كقوله تعالى: {إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}؛ فلفظ «إله» مفرد، ومع ذلك وصفه بـ«واحد» للتنصيص على الوحدة وقطع توهم الشركة، فقابل التوكيد بالتوكيد؛ ليثبت بالبرهان اللفظي والعقلي استحالة التعدد وثبوت التوحيد المطلق.
الدليل العقلي (برهان التوارد والتمانع): لو كان في الوجود إلهان لاختلفا وتنازعا وفسد نظام الكون؛ كما قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، فبطلان الإلهين برهان قاطع على فساد ما زاد عليهما.
الجمع بين التوكيدين العدديين {اثْنَيْنِ} و{وَاحِدٌ} لإحكام النص على منع الشركة وإثبات التفرد.
أسلوب القصر بـ{إِنَّمَا} الدال على انحصار الألوهية الحقة في الله تعالى ونفيها عما سواه بالكلية.
تقديم المعمول {فَإِيَّايَ} لإفادة الحصر والاختصاص؛ أي لا ترهبوا إلا إياي، ولا تجعلوا لغيري نصيباً من الرهبة والخوف.
الإشارة والتدبر الإيماني: توحيد الرهبة هو تحرير للقلب البشري من كل العبوديات الزائفة؛ فمن خاف الله وحده أمن من كل شيء، ومن خاف غير الله سلط الله عليه المخاوف من كل جانب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تنشئة القلوب على استشعار هيبة الله وتفرده، وتحريرها من الخوف من المخلوقين؛ فالخلق جميعاً عاجزون لا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
التطبيق العملي: تجريد الخوف والرجاء لله وحده في كل المواقف؛ فلا يحملن المسلم الخوف من ذوي السلطان أو فوات الرزق على مجاملة في دين الله أو الوقوع في معصيته.
الوجدان الإيماني: امتلاء الروح بالهيبة والإجلال لله الأحد الصمد، والشعور بالأنس والأمان تحت مظلة التوحيد التي تحمي الإنسان من تشتت الآلهة والأهواء.