تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام الطبري (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه ينعى على المشركين كفرانهم ولؤم طباعهم؛ والمعنى: ثم إذا فرج الله عنكم ما مسكم من البلاء والشدة، وأزال عنكم الضر والمرض والقحط، فإذا جماعة منكم يعودون إلى كفرهم وضلالهم فيجعلون لله شريكاً في العبادة والألوهية، وينسون ما كانوا عليه من التضرع والاستغاثة به وحده حين اشتد بهم الكرب.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذه الآية تكشف التقلب النفسي القبيح للمشركين والجاحدين؛ كقوله تعالى في سورة يونس: {فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}، وقوله في العنكبوت: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}؛ فبمجرد أن زالت الشدة سارعوا إلى الشرك ونسبوا سلامتهم إلى آلهتهم الزائفة أو إلى حيلتهم وتدبيرهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) أن «إذا» الثانية في قوله: {إِذَا فَرِيقٌ} هي إذا الفجائية، وهي تدل على المبادرة والمفاجأة بالشرك فور كشف الضر دون مهلة ولا تفكر في عظيم النعمة التي نالوها؛ وفي هذا أعظم تشنيع على خسة النفوس المشركة وسرعة نكوصها عن التوحيد.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذا الموقف يمثل قمة الجحود؛ فالعاقل إذا أنعم الله عليه بكشف كربته وازداد فضله عليه، يقابل ذلك بكمال الإخلاص ودوام الشكر؛ أما هؤلاء ففاجأوا المشهد بانتكاس فطرتهم ورجوعهم إلى عبادة الأصنام التي لم تدفع عنهم ذرة من ضرهم وقت الشدة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
كَشَفَ: الكشف إزالة الغطاء والستر عن الشيء، وكشف الضر رفعه وإزالته بعد وقوعه وإحاطته بالعبد.
فَرِيقٌ: الفريق القطعة والجماعة المفروقة من الشيء والمتميزة عنه.
يُشْرِكُونَ: الإشراك جعل شريك لله في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
التوجيه الإعرابي:
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ: «ثُمَّ» حرف عطف وتراخٍ، «إِذَا» ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، «كَشَفَ» فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى.
إِذَا فَرِيقٌ: «إِذَا» فجائية حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب وهي رابطة لجواب إذا الشرطية، «فَرِيقٌ» مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وساغ الابتداء بالنكرة لوصفها بالجار والمجرور بعدها.
مِّنكُم: جار ومجرور متعلق بنعت لـ«فَرِيقٌ».
بِرَبِّهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ«يُشْرِكُونَ»، والهاء مضاف إليه والميم للجمع، وتقديمه يفيد التعجيب والتشنيع على إشراكهم بربهم المنعم.
يُشْرِكُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ «فَرِيقٌ»، والجملة الاسمية من المبتدأ والخبر جواب شرط «إذا» لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: المقابلة التامة بين حالتي الشدة والرخاء؛ ففي الشدة: {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} بإخلاص تام وتضرع، وفي الرخاء: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} بجحود فجائي؛ لتتجلى الحقيقة العارية لطبيعة الشرك القائمة على المصلحة العاجلة وتناقض السلوك.
الارتباط بما بعدها في الآية (55): جاء التعقيب المباشر في الآية (55): {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}، كعاقبة محتومة لهذا الشرك المفاجئ، مع التهديد الشديد بالعلم بالعاقبة عند حلول العذاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا قال {إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم} ولم يقل: «إذا أنتم تشركون» مع أن الخطاب كان للجميع؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
إنصاف القرآن ودقته الإعجازية؛ فالتعبير بـ{فَرِيقٌ مِّنكُم} يتضمن احترازاً وبلاغة فائقة؛ لأن من الناس من إذا مسه الضر فكشفه الله عنه، استمر على التوحيد وأناب وتاب ولم يرجع إلى الشرك؛ فلو قال «إذا أنتم تشركون» لعم الجميع، فجاء التبعيض لبيان أن صفة الشرك الفجائي تختص بالمصرين على كفرهم، بينما قد يهتدي بعضهم ببركة النجاة والاعتبار؛ كمن آمن من كفار قريش بعد نجاة البحر أو الشدائد كعكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه.
استخدام «إذا» الفجائية {إِذَا فَرِيقٌ}؛ لتصوير السرعة المذهلة في التحول والانقلاب من منتهى التضرع والإخلاص إلى منتهى الشرك والعصيان بمجرد زوال الخطر، دون أدنى حياء من الله.
تقديم المعمول {بِرَبِّهِمْ} على عامله {يُشْرِكُونَ} لتشنيع الفعل؛ فإن إشراكهم وقع بربهم الذي رباهم بالنعم، وخلقهم، وكشف الضر عنهم، فكان مقتضى الربوبية شكره لا الإشراك به.
الاستعارة في لفظ {كَشَفَ} الدالة على أن الضر كان محيطاً بهم كغطاء ثقيل لا يقدر أحد على رفعه إلا الله، ومع ذلك نسوا من كشفه.
الإشارة والتدبر الإيماني: النفاق السلوكي مع الله في الرخاء والشدة داء خطير؛ والمؤمن الصادق هو من يثبت على الإخلاص والعبودية في عافيته كما يثبت عليها في بلائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تحذير النفوس من الغفلة بعد النجاة؛ فكثير من الناس ينذر النذور ويتوب عند المرض والأزمات، فإذا عافاه الله نسي ما عاهد الله عليه وعاد إلى تقصيره ومعاصيه.
التطبيق العملي: الوفاء بالنذور والعهود التي يقطعها العبد على نفسه وقت الشدة، وإتباع زوال الكرب بكثرة الصدقة والاستغفار وشكر المنعم جل وعلا.
الوجدان الإيماني: الحياء البالغ من الله الكريم، والخوف من سوء العاقبة لمن قابل إحسان الله بالجحود، والاعتصام بالتوحيد في كل الأحوال.