تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يصف حال الكفار المشركين عند معاينة جهنم وأهوال القيامة؛ والمعنى: وإذا أبصر وعاين هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والتكذيب عذاب جهنم ولهيبها وسلاسلها، أُلقوا فيها فلا يُخفف عنهم العذاب ساعة واحدة ولا لحظة، ولا هم ينظرون؛ أي لا يمهلون ولا يؤخرون للتوبة أو لتنفس الصعداء، بل العذاب متصل دائم أبداً لا ينقطع ولا يفتر.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن رؤية العذاب ومعاينته هي بداية الخلود في النكال؛ فبمجرد أن يروا جهنم تهوي بهم فلا يُرفع عنهم العذاب ولا يُخفف جزاءً وفاقاً، كقوله تعالى: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}، وقوله: {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}؛ ونفي الإنظار {وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ} دليل على قطع كل حبال المهلة؛ لأن المهلة والإنظار كانا في دار الدنيا، أما الآخرة فدار قضاء وفصل وانتقام.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الإنظار»؛ وهو الإمهال والتأخير، من النَّظِرة وهي الأجل والمهلة. ويبين أن الرؤية هنا رؤية عيان ومشاهدة حسية تقطع كل تردد، فيصيبهم اليأس المطلق من النجاة أو التخفيف؛ وفي الآية دليل على خلود أهل الكفر والشرك في العذاب بلا انقطاع.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هؤلاء الظالمين كانوا في الدنيا يسخرون من الوعيد ويستعجلون العذاب، فإذا عاينوه رأي العين تحققت لديهم أهواله، وحينها تسقط كل رغبة في التخفيف أو التأخير؛ لأن عدل الله يقتضي جزاء الظالمين المستكبرين بما كسبت أيديهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
ظَلَمُوا: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وظلم النفس بالشرك أعظم الظلم.
وَإِذَا: الواو عاطفة، «إِذَا» ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
رَأَى الَّذِينَ: «رَأَى» فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، «الَّذِينَ» اسم موصول مبني في محل رفع فاعل، والجملة مضاف إليها ظرف إذا.
ظَلَمُوا: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
الْعَذَابَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
فَلَا يُخَفَّفُ: الفاء رابطة لجواب إذا، «لَا» نافية، «يُخَفَّفُ» فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على العذاب.
عَنْهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ«يُخَفَّفُ».
وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ: الواو عاطفة، «لَا» نافية، «هُمْ» ضمير منفصل مبتدأ، وجملة «يُنظَرُونَ» خبر المبتدأ في محل رفع، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هم، والجملة معطوفة على جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: ترتبط هذه الآية اتصالاً وثيقاً بالآية السابقة (84)؛ ففي الآية السابقة سُد عنهم باب الاعتذار والاستعتاب: {ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}، وهنا سُد عنهم باب التخفيف والمهلة: {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ}؛ لتكتمل إحاطة العذاب بهم من كل جهة وتغلق كل منافذ الرجاء.
التعبير بالظلم {الَّذِينَ ظَلَمُوا}: وضع الظلم موضع الكفر للتنبيه على العلة الحقيقية لهذا العذاب الصارم؛ فالجزاء لم يكن ظلماً من الله بل كان جزاءً وفاقاً لظلمهم لأنفسهم في دار الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لا يُخفف العذاب عنهم ولو ساعة كما سأل أهل النار في سورة غافر {ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ}؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
التخفيف إنما يكون لمن كان في قلبه أصل الإيمان ورجاء الرحمة؛ أما هؤلاء فقد بلغ كفرهم منتهاه بالمعاندة والجحود بعد قيام البينات والرسل والإنذار.
الدار الآخرة دار جزاء عدل مطلق، والخلود في العذاب بلا تخفيف هو مقتضى نيتهم الدائمة؛ فالكافر لو خُلد في الدنيا لخلد في الكفر والشرك إلى ما لا نهاية: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}، فجوزي على النية الدائمة بالعذاب الدائم المستمر؛ فلا ظلم في شرع الله ولا في قضائه.
تصوير مشهد المعاينة بـ{رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ}؛ لإبراز تحول الغيب إلى شهادة حسية مفجعة تذهل العقول وتسحق الكبرياء.
اقتران الفاء بجواب الشرط {فَلَا يُخَفَّفُ}؛ لبيان سرعة المباشرة بالعذاب وملازمته لهم فور رؤيته دون أي فاصل زمني.
الجمع بين نفي التخفيف ونفي الإنظار {وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ}؛ لاستئصال أي أمل في تخفيف الشدة أو تأخير الزمن.
الإشارة والتدبر الإيماني: عظمة نعمة الإمهال في الدنيا؛ فما دام العبد في دار الدنيا فإن باب التوبة مفتوح وباب التخفيف والتجاوز مشرع، فإذا انقضت الحياة وعاين العذاب أغلقت الأبواب كلها؛ فالبدار البدار قبل فوات الأوان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ الخوف من العذاب الأبدي لردع النفوس عن الظلم والبغي في الأرض؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة.
التطبيق العملي: التحلل من المظالم في الدنيا ورد الحقوق إلى أهلها قبل أن يأتي اليوم الذي لا تخفيف فيه ولا إنظار.
الوجدان الإيماني: الرهبة العميقة من غضب الجبار سبحانه، والالتجاء الصادق إلى رحمته وعفوه، والاستعاذة الدائمة من عذاب جهنم.