تفسير الطبري (جامع البيان): يروي الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) بإسناده عن قتادة ومجاهد أن هذه الآية نزلت في المستضعفين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة الذين عذبهم المشركون وظلموهم حتى اضطروهم إلى مفارقة ديارهم وأموالهم، كبلال وعمار وصهيب وخباب وأبي جندل، فهاجروا إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، فأخبرهم الله أنه سيبوئهم في الدنيا حسنة؛ وهي الرزق الحلال، والنصر، والتمكين، وظهور الإسلام، وعز المؤمنين؛ وأجر الآخرة الذي ادخره الله لهم في جنات النعيم أعظم وأكبر مما أوتوه في الدنيا، لو كان أولئك المشركون أو المتخلفون يعلمون عاقبة الصبر والهجرة.
تفسير ابن كثير: يذكر الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله تعالى يخبر عن جزاء المهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته الذين فارقوا العشيرة والأوطان من بعد ما نالهم الأذى والاضطهاد من قومهم، فوعدهم الله بأن يبوئهم في دار الدنيا منازل حسنة، وقد حقق الله لهم ذلك؛ فأبدلهم بضيق مكة سعة المدينة، وجعلهم قادة وسادة وملوكاً في الأرض، ولأجر الآخرة من الكرامة والنعيم المقيم أكبر بكثير مما نالوه في عاجل دنياهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يورد القرطبي (ت 671 هـ) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاءه من بيت المال قال له: «خذ، بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أكبر»، وتلا هذه الآية الكريمة. ويبين القرطبي أن «الحسنة» تجمع النصر والغنيمة والذكر الجميل والتمكين في الديار.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يوضح الشيخ السعدي أن الهجرة في سبيل الله مقتضاها بذل المحبوبات ومفارقة الأوطان والأهل طلباً لمرضاة الله، ولما كانت هذه المشقة عظيمة جعل الله ثوابها عاجلاً وآجلاً؛ في الدنيا حسنة بالعيش الرغيد والقلب المنشرح والنصر والظفر، وفي الآخرة بالدرجات العلى، ليعلم الخلق أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
هَاجَرُوا: مفارقة الوطن والأهل والانتقال إلى أرض أخرى في سبيل الله طلباً لإقامة الدين، وأصل الهجر الترك والمفارقة.
فِي اللَّهِ: في سبيله وابتغاء مرضاته وإعزازاً لدينه.
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ: التبوئة هي الإنزال في المباءة والمكان المريح المهيأ للاستقرار؛ يقال: بوأه منزلاً إذا أسكنه إياه ومكن له فيه.
التوجيه الإعرابي:
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا: الواو استئنافية، «الَّذِينَ» اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، وجملة «هَاجَرُوا» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب والواو فاعل.
فِي اللَّهِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من واو «هَاجَرُوا» أي: مخلصين في سبيل الله وابتغاء مرضاته.
مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا: «مِن بَعْدِ» جار ومجرور متعلق بـ«هَاجَرُوا»، «مَا» مصدرية والمصدر المؤول (ظلمهم) في محل جر مضاف إليه، «ظُلِمُوا» فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، «نُبَوِّئَنَّ» فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول، والميم للجمع، وجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وهي في موضع رفع خبر المبتدأ «الَّذِينَ».
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: «لَوْ» حرف شرط غير جازم، «كَانُوا» فعل ماض ناقص والواو اسمه، وجملة «يَعْلَمُونَ» خبر كان، وجواب لو محذوف تقديره (لما تخلفوا عن الهجرة، أو لما عابوا عليهم، أو لآمنوا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما قرر الله في الآيات السابقة كفر المشركين وعنادهم واستهزاءهم بالرسل وإنكارهم للبعث، واضطهادهم للمؤمنين حتى اضطروهم للهجرة، ناسب أن يفتح باب الرجاء والتثبيت لأولياء الله الذين تحملوا الأذى في جنبه؛ فوعدهم بالعوض العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة.
التناسب والتعقيب النفسي: الآية تمثل بلسماً وتسلية لقلوب المهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم وذكرياتهم بمكة وهم فقراء مشردون؛ فأنزل الله هذه الآية ليؤكد لهم أن عز الدنيا وسيادتها مكتوبة لهم، وأن ما ينتظرهم في الآخرة أعظم من كل وصف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا ينال المهاجر جزاءً دنيوياً والعبادة ينبغي أن تكون خالصة للآخرة؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الآية صرحت بأن الهجرة كانت {فِي اللَّهِ}؛ أي خالصة لوجهه ابتغاء مرضاته، ولم تكن لغرض دنيوي ولا لطلب مكسب عاجل؛ فشرط الإخلاص متحقق ابتداءً.
النعيم والتمكين الدنيوي الذي وعدهم الله به {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} ليس معاوضة تسقط أجرهم، بل هو من باب عاجل بشرى المؤمن وإعانته على طاعة الله، وسنة إلهية في أن الاستقامة والجهاد والتضحية في سبيل الحق تثمر في الدنيا عزاً وتمكيناً وصلاحاً للمجتمع.
التعقيب بقوله: {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ} حسم الأمر تماماً بأن العطاء الدنيوي مهما عظم فهو قليل بجانب الأجر الأخروي المدخر، فلا يلتبس هذا بذاك.
التأكيد بالقسم المقدر واللام ونون التوكيد الثقيلة في {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} لقطع دابر الشك وتثبيت قلوب الضعفاء المظلومين بأن العاقبة لهم حتماً.
تنكير {حَسَنَةً} لإفادة التعظيم والتنويع؛ فتشمل كل ما يستحسنه الإنسان من أمن، ورزق، وسيادة، ونصر، وراحة بال، وذكر طيب باقٍ إلى يوم القيامة.
حذف مفعول العلم في {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ليعم العلم بكل ما ادخره الله للمهاجرين؛ وحذف جواب «لو» لتذهب نفس السامع كل مذهب في تقدير عظيم ما يفوت الجاهلين.
الإشارة والتدبر الإيماني: قاعدة العوض الرباني: ما ترك عبد شيئاً لله إلا أبدله الله خيراً منه في دينه ودنياه؛ فمن بذل وطنه لله رزقه الله داراً أعز، ومن ضحى بماله أغناه الله من فضله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تربية النفوس على الصبر على الابتلاء والاضطهاد في سبيل المبدأ والدين، وأن التضحية هي الطريق الوحيد لنيل التمكين الحقيقي.
التطبيق العملي: تجريد النية لله في كل عمل وحركة وهجرة؛ فالهجرة الحقيقية هي هجرة ما نهى الله عنه والفرار بالدين من مواطن الفتن والشبهات.
الوجدان الإيماني: اليقين بأن حزن المظلوم وتضحية الصابر لن تضيع عند الله، بل هي مكتوبة ومرفوعة، تثمر حسنة وتمكيناً في الدنيا وخلوداً في أعلى عليين.