وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
أعلنت الآية الكريمة عجز البشرية التام عن حصر وإحصاء نعم الله تعالى السابغة؛ لكثرتها وتجددها ودقتها وشمولها لكل ذرة في الوجود، متبوعة بتذييل عظيم يبين سعة مغفرة الله ورحمته؛ حيث غفر للعباد تقصيرهم الحتمي في أداء شكر هذه النعم ولم يقطعها عنهم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} قالا: "لو أردتم أن تحصروا وتبلغوا عدد نعم الله عليكم في أنفسكم وفي طعامكم وشرابكم ولباسكم وتقلبكم في ليلكم ونهاركم لما أطقتم ذلك ولعجزتم؛ {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} حيث يتجاوز عن تقصيركم في شكرها، ولا يعاجلكم بالعقوبة على جحودكم، ويرحمكم بإدامة النعم عليكم مع معصيتكم". وأخرج ابن أبي حاتم عن طلق بن حبيب قال: "إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين". وقال الإمام القرطبي: "النعمة هنا اسم جنس يراد به الجمع والكثرة؛ والإحصاء: الطاقة والحصر بالعدد والضبط، مأخوذ من الحَصَى؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا عد الشيء الكثير استعانوا بالحصى لضبطه؛ وتذييل الآية هنا بـ {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} بخلاف سورة إبراهيم {إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} لحكمة بالغة؛ ففي سورة إبراهيم كان السياق في بيان حال الإنسان وطبيعته في التقصير والجحود، وهنا في سورة النحل (سورة النعم) كان السياق في بيان كرم الله وسعة جوده ومغفرته ورحمته بعباده".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التذييل يمثل قمة الحكمة والإيناس الرباني؛ فبعد أن استعرض عشرات النعم العظيمة ونبه على خطورة الشرك، قد يتسلل إلى نفس المؤمن وجل وخوف شديد؛ إذ يعلم أنه عاجز قطعاً عن إحصاء هذه النعم فضلاً عن أداء شكرها الواجب، فكيف سينجو من عقاب التقصير؟! فعاجله الله ببلسم الطمأنينة والمغفرة: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. فكأن الله يقول لعباده: إني أعلم أن نعمي فوق طاقتكم الحسابية، وأعلم عجزكم عن شكرها حق الشكر، لكني غفور لتقصيركم ما دمتم موحدين تائبين، رحيم بكم إذ أفيض عليكم النعم وأتجاوز عن الزلل وأقبل منكم الشكر الميسور. واستعمال المفرد المضاف {نِعْمَةَ اللَّهِ} لإفادة استغراق الجنس؛ فكل نعمة مفردة تشتمل في داخلها على آلاف النعم الفرعية التي يعجز العقل عن إحصائها.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الاعتراف الدائم بالعجز عن الشكر التام: شأن العارفين بالله أن يشهدوا عجزهم؛ فيلهجون بالحمد والاستغفار، ويعلمون أن توفيقهم للشكر نعمة جديدة تستوجب شكراً آخر. 2. الجمع بين الخوف والرجاء: الخوف من جحود النعم والتقصير في حقها، والرجاء العظيم في مغفرة الله ورحمته السابغة التي وسعت كل شيء. 3. دوام الاستغفار وسيد الاستغفار: تكرار الاعتراف النبوي في سيد الاستغفار: "أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".