تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا ينذر هؤلاء المنكرين بنعمته بيوم القيامة وأهوال الحساب؛ والمعنى: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين يوم نبعث ونقيم من كل أمة رسولها ونبيها الذي أرسلناه إليهم شاهداً عليهم بأنه قد بلغهم رسالة ربه، وشاهداً بما أجابوه به من إيمان أو كفران؛ ثم في ذلك اليوم الرهيب لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار والكلام؛ لأنه لا عذر لهم مقبول، ولا هم يستعتبون؛ أي لا يُطلب منهم العتبي والرجوع لإرضاء ربهم بالإنابة والتوبة؛ لأن دار التكليف والعمل قد انقضت، وحل وقت الجزاء والحساب الذي لا استدراك بعده.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله يخبر عن شأن يوم القيامة؛ حيث يبعث من كل أمة نبيها شهيداً عليها بأعمالها وبلاغ رسالته، كقوله تعالى في سورة النساء: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا}؛ ثم لا يُؤذن للذين كفروا في الكلام والاعتذار لأن أعذارهم داحضة، كقوله: {هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}؛ ولا هم يستعتبون أي لا يُردون إلى الدنيا ليتوبوا ويستأنفوا العمل.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الاستعتاب»؛ فالاستعتاب طلب العتبى وهو الرضا؛ يقال: استعتبته فأعتبني، أي طلبت منه الرضا فرضي؛ والمعنى: لا يُطلب منهم أن يرضوا ربهم بالتوبة والطاعة؛ لأن الآخرة دار جزاء لا دار عمل؛ وقيل: لا يُسترضون ولا يقبل منهم عذر.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن مشهد الشهادة على الأمم من أعظم مواقف الخزي للكافرين؛ حيث يقف الرسول خصماً وشاهداً على قومه، وتنقطع حجج الكفار فتخرس ألسنتهم، فلا يؤذن لهم في اعتذار باطل، ولا يفتح لهم باب توبة أو رجوع؛ فانسدت في وجوههم كل مسالك النجاة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
شَهِيدًا: الشاهد والشهيد هو الذي يحضر ويشهد بالحق ويبينه، والمراد أنبياء كل أمة.
يُؤْذَنُ: الإذن الإعلام بإجازة الفعل والسماح به.
يُسْتَعْتَبُونَ: من العتبى، وهو الرضا والرجوع عما يكره؛ واستعتب طلب الرضا وإزالة العتاب.
التوجيه الإعرابي:
وَيَوْمَ: الواو استئنافية، «يَوْمَ» ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره (واذكر يوم نبعث).
نَبْعَثُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والجملة في محل جر بالإضافة لـ«يَوْمَ».
مِن كُلِّ أُمَّةٍ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال مقدمة من «شَهِيدًا»، «أُمَّةٍ» مضاف إليه مجرور.
شَهِيدًا: مفعول به لـ«نَبْعَثُ» منصوب بالفتحة الظاهرة.
ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ: «ثُمَّ» حرف عطف وتراخٍ، «لَا» نافية، «يُؤْذَنُ» فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة.
لِلَّذِينَ كَفَرُوا: جار ومجرور نائب فاعل (أو متعلق بـ«يُؤْذَنُ» ونائب الفاعل محذوف تقديره الاعتذار أو الكلام)، وجملة «كَفَرُوا» صلة الموصول لا محل لها.
وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ: الواو عاطفة، «لَا» نافية، «هُمْ» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، وجملة «يُسْتَعْتَبُونَ» خبر المبتدأ في محل رفع، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هم يعود على الكفار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما ذكر الله في الآية (83) جحودهم وإنكارهم للنعمة مع معرفتهم بها، نقلهم هنا نقلة صاعقة إلى مشهد الحساب الأخروي؛ ليروا عاقبة هذا الإنكار حين يواجهون رسولهم الذي يعرفونه وهو يشهد عليهم بالبلاغ والجحود، وحين تسد في وجوههم كل أبواب الأعذار.
الارتباط الدقيق بالآيتين التاليتين (85-86): المشهد الأخروي مستمر؛ فبعد منع الاعتذار، يرى الظالمون العذاب فلا يخفف عنهم، ثم يرون شركاءهم الذين عبدوهم فيتبرأ منهم الشركاء؛ لتتوالى فصول المحاكمة الإلهية العادلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التوفيق بين قوله {لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ} وبين آيات تثبت كلام الكفار وجدالهم يوم القيامة؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
يوم القيامة يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة، وله مواقف وأحوال متعددة ومقامات مختلفة:
ففي بعض المواقف يتكلمون ويجادلون ويحلفون كذباً: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، ويلوم بعضهم بعضاً.
وفي مواقف أخرى يختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ}.
وفي موقف المحاكمة النهائية وسماع شهادة الرسل لا يؤذن لهم في الاعتذار الكاذب {لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}؛ لأنه ظهر الحق وانكشفت السرائر وبطل كل افتراء، فلا فائدة من كلام لا يغير حكماً ولا يدفع عذاباً.
التعبير بنون العظمة {نَبْعَثُ}؛ لإلقاء الهيبة وإظهار جلال الموقف والملك والتدبير في ذلك اليوم العظيم.
تنكير {شَهِيدًا} للتعظيم؛ فالشهيد هو رسول الأمة ونبيها المعصوم، وشهادته عدل قاطع لا يمكن ردها.
بناء الفعلين للمجهول {يُؤْذَنُ... يُسْتَعْتَبُونَ}؛ للدلالة على الهوان والحقارة؛ فالكافر ساقط القيمة عند الله لا يُلتفت إليه ولا يُقام له وزن ليُستأذن أو يُستعتب.
الإشارة والتدبر الإيماني: رهبة موقف الشهادة النبوية؛ روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: «اقْرَأْ عَلَيَّ، فَقَرَأَ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا} قَالَ: حَسْبُكَ الآنَ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ»؛ بكى النبي صلى الله عليه وسلم شفقة على أمته من هول ذلك المشهد العظيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: إيقاظ الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية؛ فكل أمة ستواجه رسولها وستُحاسب على مدى استجابتها لرسالته.
التطبيق العملي: المسارعة إلى الاستعتاب وطلب رضا الله والتوبة في دار الدنيا قبل أن يأتي اليوم الذي لا استعتاب فيه ولا توبة مقبولة.
الوجدان الإيماني: محبة النبي صلى الله عليه وسلم وإجلال سنته، والحرص على أن يكون شاهداً للمسلم بالإيمان والاتباع لا شاهداً عليه بالإعراض والمخالفة.