إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
قررت الآية الكريمة النتيجة القطعية التي أثبتتها جميع البراهين الكونية السابقة؛ وهي أن معبودكم الحق المستحق للعبادة وحده هو إله واحد لا شريك له في ملكه ولا في خلقه، ثم كشفت الآية العلة النفسية الباطنة وراء كفر الكافرين؛ وهي انعدام إيمانهم باليوم الآخر، مما أورث قلوبهم إنكاراً وجحوداً للحق، ونفوسهم استكباراً وعتواً عن الانقياد. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد في قوله: {إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} قالا: "أي معبودكم الذي يستحق أن تعبدوه وتفردوه بالطاعة إله واحد لا ثاني له، تفرد بخلق السموات والأرض والأنعام والنعم؛ {فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} أي: جاحدة لتوحيد الله وقدرته وبعثه، {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي: متعظمون عن اتباع الحق وعبادة ربهم والانقياد لرسله". وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: "أنكرت قلوبهم التوحيد واستكبرت أبدانهم ونفوسهم عن طاعة الله؛ لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً في الدار الآخرة". وقال الإمام القرطبي: "لما بين بالبراهين القاطعة أنه المنفرد بالخلق والإنعام، استنتج من ذلك قوله: {إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}؛ وبيّن أن السبب الحقيقي في تكذيب المشركين ليس نقصاً في الأدلة، بل هو علة في قلوبهم بالإنكار، وفي نفوسهم بالاستكبار لعدم إيقانهم بالبعث".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الموقع يمثل "خلاصة المحاجة التوحيدية" في سورة النحل؛ فبعد استعراض النعم ودحض عجز الأصنام في الآية السابقة {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ}، قرر الحقيقة المركزية بجملة اسمية قاطعة: {إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}. ثم ربط بين الجحود العقائدي وبين المرض النفسي الكامن في الصدور: {فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}. وفي هذا النظم تشخيص دقيق لداء الكفر؛ فالكافر لم يكفر لغموض الحجة، بل كفر لأن قلبه تلبس بـ "الإنكار" وعقله أصيب بـ "الاستكبار"، والسبب الأصيل في ذلك هو فقدان "الإيمان باليوم الآخر"؛ فمن غاب عن قلبه مشهد الوقوف بين يدي الله أطلق لنفسه عنان الكبر والعناد.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. التركيز على قضية البعث والجزاء في الدعوة: ربط الناس باليوم الآخر هو المفتاح لتليين القلوب القاسية وتسكين الكبر؛ فالقلب الذي يستحضر الحساب يخبت للحق ويذعن للهدى. 2. علاج أمراض القلوب من الكبر والجحود: خطورة الاستكبار؛ فالكبر يحجب العبد عن رؤية الحق ويجعله مصراً على الباطل ولو قامت أمامه آلاف البراهين. 3. وحدة الأمة في التوحيد: ما دام الإله واحداً، فينبغي أن تكون الأمة واحدة في عبادتها وولائها واعتصامها بحبل الله المتين.