تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه يسلي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بعد إقامة كل هذه الحجج والبراهين وتعداد النعم؛ والمعنى: فإن أعرض هؤلاء المشركون يا محمد وتولوا عن الإيمان والتوحيد والاستسلام لله بعد كل ما ذكرنا لهم من النعم والآيات القاطعة، فلا يحزنك ذلك ولا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ فما عليك إلا أن تبلغهم رسالة ربك بياناً واضحاً جلياً يقطع كل عذر ولبس؛ ولم نكلفك إجبارهم على الهدى، وحسابهم وجزاؤهم علينا.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن المعنى: إن أعرضوا عما جئتهم به بعد هذه النعم الظاهرة والبراهين الساطعة، فلا عليك منهم؛ فإنما عليك البلاغ المبين، وقد بلّغت وأديت الأمانة، وحسابهم على الله الذي لا تخفى عليه خافية، كقوله تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أن الآية تقرر حدود وظيفة الرسل؛ فالرسول مذكّر ومبلّغ بالبينات، وليس مسيطراً ولا جباراً على القلوب؛ وفيها تسلية بالغة للنبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة صدود قريش وعنادهم.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن تولي المشركين بعد هذا البيان الكامل ليس لنقص في الدعوة ولا لغموض في الحجة، بل لمحض عنادهم وظلمهم؛ والرسول قد برئت ذمته بقيامه بـ«البلاغ المبين»، وتوليهم وباله عائد عليهم وحدهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
تَوَلَّوْا: التولي الإعراض بالجسد والقلب والانصراف عن الشيء كرهاً ونفوراً.
الْبَلَاغُ: الإيصال والتبليغ، وبلوغ الشيء منتهاه.
الْمُبِينُ: الموضح المظهر للحق الفاصل بين الهدى والضلال.
التوجيه الإعرابي:
فَإِن تَوَلَّوْا: الفاء فصيحة، «إِن» حرف شرط جازم، «تَوَلَّوْا» فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل.
فَإِنَّمَا: الفاء رابطة لجواب الشرط، «إِنَّمَا» كافة ومكفوفة تفيد الحصر والقصر.
عَلَيْكَ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
الْبَلَاغُ: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما قال في ختام الآية السابقة: {كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}، رتب على هذا الإنعام بياناً لردود أفعالهم المتوقعة؛ فإن أسلموا فذاك حظهم ونجاتهم، وإن تولوا وأعرضوا فبين لرسوله أن واجبه قد انتهى عند التبليغ والإيضاح.
الارتباط بالآية اللاحقة (83): مهد هذا التولي لقوله في الآية التالية: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا}؛ لكشف علة توليهم وأنها جحود وعناد بعد معرفة واستيقان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل الآية منسوخة بآيات القتال والجهاد؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
جمهور المحققين وأئمة التفسير يقررون أن الآية محكمة غير منسوخة؛ لأنها تقرر أصلاً عقدياً ودعوياً ثابتاً: وهو أن «الهداية التوفيقية وخلق الإيمان في القلوب» ليست بيد النبي ولا بيد أحد من الدعاة، بل هي لله وحده؛ والجهاد إنما شُرع لرد العدوان وحماية الدعوة وكسر شوكة الطواغيت المانعين للناس من سماع الحق، ولم يشرع لإكراه القلوب على الإيمان: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. فوظيفة البلاغ قائمة ومحكمة في كل زمان ومكان.
صياغة الشرط بـ{فَإِن تَوَلَّوْا} بالفعل الماضي لتحقيق وقوع الإعراض منهم في الواقع.
أسلوب الحصر والقصر بـ{فَإِنَّمَا}، وتقديم الجار والمجرور {عَلَيْكَ}؛ لحصر مهمة الرسول في التبليغ وتبرئته التامة من مسؤولية ضلالهم.
وصف البلاغ بـ{الْمُبِينُ} للدلالة على أن البيان كان تاماً ساطعاً لا غبش فيه ولا نقص، فلم يبق للمعرضين أي حجة أو عذر.
الإشارة والتدبر الإيماني: سكينة الداعية إلى الله؛ فالداعية يبذل جهده وينصح ويبين بالتي هي أحسن، فإذا رأى إعراضاً أو صدوداً تذكر هذه الآية فاطمأن قلبه ولم يقع في اليأس أو الحزن المهلك؛ لأن عليه البلاغ وعلى الله الحساب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: التركيز على جودة البلاغ ووضوح الرسالة؛ فالمطلوب من الداعية أن يكون بلاغه «مبيناً» بالحجة الساطعة والأخلاق العالية، وليس مطالباً بإكراه الناس على القبول.
التطبيق العملي: الثبات في طريق الدعوة والصبر على إعراض المعرضين، وعدم تبديل مبادئ الدين أو تمييعها لإرضاء النافرين.
الوجدان الإيماني: التسليم لحكمة الله في خلقه، والثقة بأن رسالة الإسلام واضحة الحجة منتصرة بالحق والبرهان.