بيان ما حُرِّمَ على اليهود عقوبة وظلماً منهم لأنفسهم:
لما ذكر الله المحرمات على أمة الإسلام في قوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ...}، ذكر هنا ما كان قد حرمه على اليهود في شريعتهم خاصة، مبيناً أنه سبق بيانه في سورة الأنعام المكية، وأن ذلك التحريم لم يكن ظلماً من الله لهم بل كان عقوبة جزائية على بغيهم وظلمهم لأنفسهم.
تفسير الطبري (14/ 359)مصدر غير محدد١٤/٣٥٩: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة والسدي أن ما قصه الله عليه من قبل هو قوله في سورة الأنعام: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}، فبين الله لنبيه أن تلك المحرمات الشديدة كانت عقوبة خاصة باليهود لعتوهم، ولم تكن عامة كشريعة الإسلام السمحة.
تفسير ابن كثير (4/ 610)مصدر غير محدد٤/٦١٠: يوضح ابن كثير حكمة المقارنة؛ فبينما جاءت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم برفع الآصار والأغلال وإباحة الطيبات وحصر المحرمات في الخبائث الأربع، كانت شريعة بني إسرائيل مشددة عليهم بحرمانهم من طيبات كانت حلالاً لهم، جزاءً لظلمهم وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل، كما بين في سورة النساء.
القرطبي (10/ 196)مصدر غير محدد١٠/١٩٦: يذكر القرطبي أن الآية برهان على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ودليل على كمال عدل الله وتنزيهه عن الظلم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
هادوا: تابوا ورجعوا، أو انتسبوا إلى يهوذا أحد أولاد يعقوب عليه السلام، أو مأخوذ من التهوّد وهو الحركة عند قراءة التوراة.
قصصنا: من القص وهو تتبع الأثر، أي بيناه وأخبرناك به متبعاً بعضه بعضاً في سورة الأنعام المكية من قبل نزول هذه السورة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إزالة الشبهة وتأكيد التيسير المحمدي: لما ذكر الله محرمات الإسلام الخفيفة اليسيرة، قد يحتج مشرك أو يهودي بما في التوراة من تحريمات كثيرة كالشحوم والطيور ذات الظفر، فبين الله أن تلك التضييقات كانت عقوبة جزائية لبني إسرائيل لظلمهم وبغيهم، وليست أصلاً في التشريع الدائم.
الإحالة على ما نزل سابقاً {مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ}: فيه دلالة على إحكام القرآن وربط أجزائه ببعض؛ حيث أحال السورة المكية (النحل) على سورة مكية أخرى نزلت قبلها (الأنعام).
تقديم المفعول {أَنفُسَهُمْ}: لبيان أن ظلمهم لم يتعد إلى الله تبارك وتعالى، بل عاد وباله ونكاله على ذواتهم وحدهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعارض التيسير مع تحريم الطيبات على بني إسرائيل:
كيف يصف الله شرعه بالعدل والرحمة وقد حرم على أمة من الأمم الشحوم والطيبات؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال: هذا التحريم كان عقوبة استصلاحية وتأديبية للمعتدين؛ كالمريض الذي يفرط في تناول ما يضره فيمنعه الطبيب الحكيم من أطايب الطعام حمية وعلاجاً، فبنو إسرائيل اعتدوا على حقوق الضعفاء وصادوا في السبت واستحلوا الربا وأكلوا أموال الناس بالباطل؛ فناسب حكم العدل أن يحرموا من الطيبات جزاءً وفاقاً لعتوهم؛ كما صرح القرآن: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}، فالظلم منهم والعقوبة عدل من الله.
أسلوب القصر والتقديم: تقديم الجار والمجرور {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} لبيان خصوصية هذا التشديد بهم دون غيرهم.
التعبير بصيغة العظمة في {حَرَّمْنَا} و{ظَلَمْنَاهُمْ}: لإظهار جلال السلطان الإلهي وكمال العدل المنزه عن كل نقص وجور.
الإشارة والتدبر: المعاصي والظلم الاجتماعي سبب رئيس في حرمان الأمم من النعم والبركات، وتضييق الأرزاق على الشعوب قد يكون عقوبة إلهية على تفشي الفساد والمظالم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: إبراز ميزة الشريعة الإسلامية ويسرها وسماحتها برفع الآصار والأغلال؛ مما يرغب القلوب في اعتناقها والانقياد لأحكامها.
التوجيه التربوي: التحذير من تكرار مسالك بني إسرائيل في التحايل والظلم وأكل الحرام؛ لئلا تصاب الأمة المسلمة بما أصيبت به تلك الأمم من حرمان وضيق.
الأثر الوجداني: يلهج لسان المؤمن بحمد الله وشكره على نعمة الشريعة المحمدية السمحة التي لم تجعل علينا في الدين من حرج، وتفيض روحه حباً لهذا الدين الحنيف.