بيان سبب الردة واستحقاق العذاب: يوضح الله تعالى العلة الكامنة والسبب الجوهري وراء كفر من ارتد وشرح بالكفر صدراً، وهو تفضيل عاجل الدنيا ومتاعها وزينتها على نعيم الآخرة الباقي ورضوان الله.
تفسير الطبري (14/ 342)مصدر غير محدد١٤/٣٤٢: يقول أبو جعفر: ذلك الذي قضيت عليهم من غضبي والعذاب العظيم، من أجل أنهم آثروا زينة الدنيا العاجلة ومكاسبها الفانية على ثواب الآخرة ونعيمها المقيم، فباعوا دينهم بعرض من الدنيا، ومن أجل أن سنة الله مضت بأنه لا يوفق للهدى قوماً جحدوا آياته وقصدوا الكفر بعد معرفتهم بالحق.
تفسير ابن كثير (4/ 605)مصدر غير محدد٤/٦٠٥: يذكر ابن كثير أن هؤلاء لم يكن كفرهم عن شبهة علمية أو قصور في البيان، وإنما كان دافعهم الرئيس هو حب الدنيا وإيثارها، فقدموا سلامتهم الدنيوية وأموالهم ومناصبهم على ما أوجب الله عليهم من الإيمان، فحرمهم الله الهداية.
السعدي (ص 450)مصدر غير محدد٤٥٠: ينص العلامة السعدي على أن إيثار الحياة الدنيا رأس كل خطيئة، فما كفر من كفر ولا فسق من فسق إلا بتقديم مراد النفس العاجل وشهواتها على حقوق الله وموجبات اليوم الآخر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
استحبوا: السين والتاء هنا للمبالغة في الحب أو للطلب، أي طلبوا حب الدنيا ورأوها أحب إليهم وأولى بالاختيار، واستحبه على غيره: اختاره وآثره عليه وقدمه.
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{بِأَنَّهُمُ}: الباء حرف جر للسببية، {أَنَّ}: حرف توكيد ونصب ومصدري، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، والميم للجمع.
{اسْتَحَبُّوا}: فعل ماضٍ مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
{الْحَيَاةَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
{الدُّنْيَا}: نعت لـ {الْحَيَاةَ} منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
{عَلَى الْآخِرَةِ}: جار ومجرور متعلق بـ {اسْتَحَبُّوا} لتضمنه معنى الإيثار والتفضيل.
والمصدر المؤول من {أَنَّ} وما بعدها في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ {ذَٰلِكَ}، والتقدير: ذلك الغضب والعذاب كائن بسبب استحبابهم الدنيا.
{الْقَوْمَ}: مفعول به منصوب، {الْكَافِرِينَ}: نعت منصوب بالياء، وجملة {لَا يَهْدِي} في محل رفع خبر {أَنَّ}، والمصدر المؤول معطوف على المصدر المؤول السابق في محل جر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعليل والربط: بعد أن أثبتت الآية السابقة الغضب الإلهي والعذاب العظيم على من شرح بالكفر صدراً، جاءت هذه الآية تعليلاً بيانياً يوضح الباعث النفسي والسلوكي على هذا الانحدار، كاشفة أن الهلاك يبدأ من انحراف الموازين القلبية في تقييم الدنيا والآخرة.
اقتران السبب بالجزاء الحتمي: قرن الله بين حبهم الفاسد للدنيا وحرمانهم من الهداية؛ لأن النفس إذا استغرقتها الشهوات المادية أظلمت بصيرتها، فاستحقت التخلية الإلهية والحرمان من التوفيق.
تناسب اسم الإشارة {ذَٰلِكَ}: الإشارة بالبعيد لتهويل العذاب والغضب المذكورين سابقاً ولتنبيه الأذهان إلى شناعة سببهما.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التكليف بما لا يطاق ومفهوم {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}:
قد يزعم الزاعم أن الآية تفيد الجبر، وأنهم إنما كفروا لأن الله لم يهدهم، فكيف يعاقبهم؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة: الهداية المنفية هنا هي هداية التوفيق والتثبيت والإعانة والإدخال إلى الجنة، وليست هداية الدلالة والبيان؛ فإن الله أرسل إليهم الرسل وأنزل الكتب وأوضح لهم السبيل هداية عامة تامة، ولكنهم باختيارهم وإرادتهم استحبوا الدنيا وآثروا الشهوات وأصروا على الكفر، فعاقبهم الله بسلب التوفيق جزاءً وفاقاً لردتهم؛ كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. فالعدل الإلهي مبني على معاقبة المختار المفرط لا المجبر المكره.
التضمين البياني في {اسْتَحَبُّوا... عَلَى}: عدي الفعل {اسْتَحَبُّوا} بحرف الجر {عَلَى} لتضمنه معنى آثروا وفضلوا؛ لأن الاستحباب في الأصل يتعدى بنفسه، فجمع النظم بين معنى المحبة الشديدة ومعنى الإيثار والتقديم.
التعبير بـ {الدُّنْيَا}: وصف الحياة بالدنيا مأخوذ من الدنو والقرب الزماني أو الخسة والرداءة، وفي ذلك تزهيد لطيف بها وإشارة إلى سخافة عقول من اشتروا الخسيس الفاني وباعوا النفيس الباقي.
الإشارة والتدبر: أخطر ما يفسد التدين واليقين ليس هو الشبهات العقلية، بل الشهوات الحسية وإيثار السلامة العاجلة، فحين تطغى مصلحة الجسد يسقط ميزان الحق في النفس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ينبغي للداعية أن يعالج جذور الإعراض؛ فالكثير ممن يرفضون الحق أو ينكصون عنه لا يفعلون ذلك لعدم وضوح براهينه، بل خوفاً على مكانتهم، أو تجارتهم، أو شهواتهم؛ فتحرير القلوب من رق الدنيا هو الخطوة الأولى للهداية.
التوجيه التربوي: تربية النفس على الزهد الحقيقي في الدنيا بمقارنتها بنعيم الآخرة، والوعي بأن المتاع الزائل لا يستحق التضحية برضوان الله والخلود في جناته.
الأثر الوجداني: يوقظ النص في نفس المسلم الحذر واليقظة من فتنة الاستدراج بالدنيا، ويغرس فيه صدق اللجوء إلى الله وسؤاله الثبات حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها.