تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يضع القاعدة الوجودية الفاصلة بين متاع الدنيا وثواب الآخرة؛ والمعنى: كل ما تملكونه أيها الناس في دار الدنيا من أموال وأرزاق ومتاع ولذائذ ينفد ويفنى وينقضي ويزول؛ وكل ما ادخره الله عنده من الثواب والكرامة والنعيم المقيم باقٍ دائم لا زوال له ولا فناء؛ ولنجزين هؤلاء الموفين بعهودهم الذين ثبتوا وصبروا على مشاق طاعة الله والصبر عن محارمه والصبر على أذى المشركين جزاءهم الأوفى بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات في الدنيا.
تفسير ابن كثير: يروي الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) في معنى هذه الآية الحديث العظيم الثابت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة فتصدقوا بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قالت: ما بقي منها إلا كتفها! فقال صلى الله عليه وسلم: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا!»؛ مبيناً أن ما يتصدق به العبد في سبيل الله ويدخره عنده هو الباقي الحقيقي، وما يأكله ويستهلكه هو الفاني؛ وأكد سبحانه جزاء الصابرين بالقسم المؤكد: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«النفاد»؛ فالنفاد هو الانقطاع والفناء التام؛ يقال: نفد الشيء إذا فني وفرغ ولم يبق منه شيء؛ أما النفاذ بالذال المعجمة فهو الخروج والخرق كقوله: {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا}. ويقرر القرطبي أن الآية زهدت في الدنيا ورغبت في الآخرة بأوجز لفظ وأعظم معنى.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية برهان عقلي قاطع لكل ذي لب؛ فخزائن العباد تنفد بالإنفاق أو بالموت، وخزائن الله ملأى لا تغيضها نفقة، ونعيمه باقٍ سرمدي؛ ثم وعد الصابرين على الوفاء بالعهود وترك المحبوبات المحرمة بأن يجزيهم بأحسن أعمالهم، فيتجاوز عن السيئات ويثيبهم على أحسن الطاعات بأعظم الثواب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
بَاقٍ: البقاء ضد الفناء، وهو الاستمرار والدوام والثبوت الذي لا يلحقه فناء.
صَبَرُوا: الصبر حبس النفس وثباتها على أمر الله ومواثيقه وتحمل المكاره.
القراءات وضبط التوجيه:
قراءة ابن كثير وعاصم في رواية وأبي عمرو وحمزة والكسائي: {وَلَنَجْزِيَنَّ} بالنون نون العظمة.
قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم في رواية: {وَلَيَجْزِيَنَّ} بالياء عوداً على اسم الجلالة في {اللَّهِ}.
التوجيه الإعرابي:
مَا عِندَكُمْ: «مَا» اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، «عِندَكُمْ» ظرف مكان متعلق بصلة الموصول المحذوفة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
يَنفَدُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ «مَا».
وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ: الواو عاطفة للمقابلة، «مَا» اسم موصول مبتدأ، «عِندَ اللَّهِ» صلة الموصول، «بَاقٍ» خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتنوين (لأنه اسم منقوص).
وَلَنَجْزِيَنَّ: الواو عاطفة أو واقعة في جواب قسم مقدر، اللام واقعة في جواب القسم، «نَجْزِيَنَّ» فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن.
الَّذِينَ صَبَرُوا: «الَّذِينَ» مفعول به أول مبني في محل نصب، وجملة «صَبَرُوا» صلة الموصول لا محل لها.
أَجْرَهُم: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
بِأَحْسَنِ: الباء حرف جر للمقابلة، «أَحْسَنِ» اسم مجرور بالكسرة متعلق بـ«نَجْزِيَنَّ» وهو مضاف.
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: «مَا» موصول مضاف إليه، «كَانُوا» واسمها وجملة «يَعْمَلُونَ» خبرها، والصلة لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: جاءت هذه الآية كبرهان عقلي وتعليل مباشر لقوله تعالى في الآية السابقة: {إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}؛ فلماذا كان ما عند الله خيراً لنا؟ جاء الجواب الحاسم في مطلع هذه الآية: لأن {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ}؛ فخيرية ثواب الله متأتية من كونه باقياً أبدياً، بينما كل ما يملكه العباد محكوم عليه بالنفاد والفناء.
{يَنفَدُ} يقابله {بَاقٍ}.
لتختزل حقيقة الوجود في كلمتين متقابلتين: النفاد والبقاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا قال {بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} والإنسان يعمل الحسن والأحسن والمباح؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
هذا منتهى الفضل والكرم الإلهي؛ فأعمال العبد الصالح في الدنيا تتنوع بين المباح والحسن والأحسن؛ فبين سبحانه أنه يعامل عباده الصابرين بأرقى موازين الجود؛ فيجعل مقياس أجرهم وثوابهم مبنياً على «أحسن أعمالهم» وأخلصها، ويغفر ما دون ذلك من السيئات والهفوات والتقصير؛ كقوله تعالى: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
الإيجاز المطلق في صياغة المعادلة الوجودية {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ}؛ ثماني كلمات عربية اختصرت فلسفة الزهد والوجود وحقيقة الدنيا والآخرة.
حذف ياء {بَاقٍ} في اللفظ والخط تنويناً؛ دلالة على خفة اللفظ وثبوت المعنى الرصين الراسخ.
التوكيد بالقسم واللام ونون التوكيد في {وَلَنَجْزِيَنَّ}؛ لتطمين قلوب الصابرين الذين ضحوا بزخرف الدنيا ومكاسبها العاجلة بأن حقهم محفوظ مضاعف عند الملك الحق.
الإشارة والتدبر الإيماني: البنك الحقيقي للأعمال والأموال؛ كل ما استهلكته في طعامك ولباسك ودنياك فهو نافد فانٍ، وكل درهم أنفقته في سبيل الله أو عمل صالح قدمته لوجهه فهو الذي تحول إلى رصيد باقٍ عند الله تجده أحوج ما تكون إليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: غرس عقيدة البقاء والخلود الأخروي في نفوس الناشئة؛ لتتحرر النفوس من الهلع والجشع وعبادة المادة وكنز الأموال الفانية.
التطبيق العملي: تحويل الأموال والمواهب والأوقات من دائرة النفاد إلى دائرة البقاء؛ بالصدقات الجارية، والأوقاف، وبناء المساجد، ونشر العلم النافع، ونصرة قضايا الأمة.
الوجدان الإيماني: الزهد الحقيقي في الدنيا والطمأنينة الكاملة إلى خزائن الله، والشعور بالرضا والسكينة عند فوات أي حظ دنيوي استحضاراً لدوام ما عند الله.