يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
بينت الآية الكريمة أعظم نعمة امتن الله بها على البشرية، وهي نعمة الوحي والنبوة وإنزال الملائكة بالشرائع الهادية التي تحيا بها القلوب، مبيناً أن جوهر كل رسالة سماوية هو الإنذار بالتوحيد والأمر بالتقوى. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي في قوله: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} قالوا: "الروح هنا: هو الوحي والنبوة وكلام الله؛ سمى الله الوحي روحاً لأن به حياة الأرواح والقلوب من موت الجهل والكفر، كما يحيا الجسد بالروح". وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: "الروح: الوحي يلقيه الروح الأمين جبريل والملائكة من أمر الله وقضائه على من يشاء من رسله وأنبيائه". وفي قوله: {أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} قال قتادة: "أرسل الله الرسل جميعاً بهذا الأصل المحكم: التوحيد؛ أن أنذروا الناس عذاب الله، وعلموهم أنه لا معبود بحق إلا الله، فاتقوا عقابه بطاعته". وقال الإمام القرطبي: "الروح: الوحي والقرآن والشريعة؛ وقوله {مِنْ أَمْرِهِ} أي: بأمره ومشيئته وقدرته؛ و{عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} هم الأنبياء والرسل اصطفاهم الله بعلمه لنقل رسالاته".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الموضع يمثل قمة الترتيب التنزيهي والتشريعي؛ فبعد أن نزه نفسه في الآية الأولى عن الشرك {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، بين في هذه الآية وسيلة إقامة هذا التوحيد ونشره في الأرض، وهو "الوحي المعصوم المنزّل مع الملائكة الكرام". وتسمية الوحي بـ {الرُّوحِ} قبل الخوض في نعم الأطعمة والأنعام والأشجار في الآيات اللاحقة تقديم بليغ لنعمة "حياة الأرواح والقلوب" على نعمة "حياة الأبدان والأجساد"؛ فالإنسان بغير وحي ميت القلب وإن كان حياً جسداً. ثم حصر غاية الإنذار في كلمة التوحيد: {أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ}؛ ليعلم العقلاء أن مقصود الوجود وغايته هو إفراد الله بالعبادة والخشية.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. أولوية التوحيد في الخطاب الدعوي: الدعوة إلى الله تبدأ وتنتهي بالتوحيد الخالص والتقوى؛ فالشرائع والأخلاق كلها فروع وثمار لشجرة التوحيد الراسخة. 2. استشعار شرف الرسالة والوحي: الوحي روح من أمر الله؛ فينبغي للمسلم تعظيم كتاب الله وتوقيره والنهل من معينه الصافي لتحيا به القلوب. 3. التقوى ثمرة التوحيد: لا يكتمل الإيمان بمجرد المعرفة النظرية بوجود الله، بل لا بد من ترجمة التوحيد إلى تقوى عملية تخشى الله وتجتنب نواهيه.