النهي القاطع عن التشريع بغير إذن الله وتجريم التحليل والتحريم بالهوى:
ينهى الله تبارك وتعالى عباده عن أعظم الجرائم، وهي التقدم بين يدي الله ورسوله بالتحليل والتحريم اعتماداً على مجرد الظنون والأهواء، واختلاق الكذب على الله في شرعه ودينه.
تفسير الطبري (14/ 357)مصدر غير محدد١٤/٣٥٧: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة أن الآية نزلت في أهل الجاهلية من مشركي قريش والعرب الذين حرموا البحائر، والسوائب، والوصائل، والحوام، وجعلوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورهم ومحرماً على أزواجهم، كذباً وافتراءً ادعوا أن الله أمرهم به.
تفسير ابن كثير (4/ 609)مصدر غير محدد٤/٦٠٩: يقرر ابن كثير أن الآية تعم بالنهي كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئاً مما حرم الله، أو حرم شيئاً مما أحل الله بمجرد رأيه وتشهيه؛ فإن ذلك من أعظم الافتراء على الله، وقد كان السلف الصالح يتورعون أشد الورع عن إطلاق لفظ "حرام" أو "حلال" إلا بنص قطعي، ويقولون بدلاً من ذلك: "نكره هذا" أو "نستحبه".
القرطبي (10/ 194)مصدر غير محدد١٠/١٩٤: يذكر القرطبي قول الدارمي ومالك بن أنس: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولون: نكره هذا ونستحسن هذا، وأما الحلال والحرام فهو ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الوصف باللسان: دلالة على أن هذا التحليل والتحريم ليس له حقيقة ولا أصل وراء حركة اللسان المجردة، فهو قول ساقط لا يطابق واقعاً ولا شرعاً.
قراءة الجمهور بنصب الباء {الْكَذِبَ}: وهو مفعول به لـ {تَصِفُ}، أي تصف ألسنتكم الكذب، أو مفعول به لـ {تَقُولُوا}، أو بدل من ما، أو صفة لمصدر محذوف أي قولاً كذباً.
قراءة الحسن وابن السميقع برفع الباء {الْكَذِبُ}: على أنه بدل من {أَلْسِنَتُكُمُ} أو خبر مبتدأ محذوف.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم {إِنَّ}.
{يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}: جملة الصلة لا محل لها.
{لَا يُفْلِحُونَ}: {لا} نافية، والفعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر {إِنَّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بآية المحرمات السابقة: لما حدد الله المحرمات على وجه الحصر والتفصيل في الآية (115)، نهى في هذه الآية عن التدخل البشري الجاهلي في نقل الأشياء من دائرة الحلال إلى الحرام أو العكس؛ صيانة لسيادة التشريع الإلهي.
التصوير البلاغي في حركة اللسان: أسند الوصف إلى الألسن {تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ} لإبراز تفاهة تلك الأحكام؛ فهي ليست سوى ألفاظ جوفاء تتطاير من ألسنتهم دون برهان أو حقيقة.
الختام بنفي الفلاح {لَا يُفْلِحُونَ}: الفلاح هو الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب؛ فنفى عنهم الفلاح نفياً تاماً مؤكداً أن المفتري على شريعة الله خائب في مسعاه الدنيوي والأخروي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شمول النهي لاجتهادات الفقهاء وفتاوى العلماء:
قد يزعم جاهل أو مغرض أن هذه الآية تمنع العلماء من الإفتاء والاجتهاد وتعد اجتهادهم افتراءً على الله!
البرهان والرد العلمي: الآية تنهى عن التحليل والتحريم بغير علم ولا مستند، وتجرم من ينسب إلى الله حكماً بهواه ورأيه المبتدع كفعل الجاهلية، أما الفقيه المجتهد الراسخ فإنه لا يشرع من عند نفسه، بل يبذل وسعه في استنباط مراد الله ورسوله من النصوص والقواعد الشرعية؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»، ومع ذلك كان أئمة السلف يتحاشون الجزم بلفظ التحريم صيانة للألسنة وتأدباً مع هذا النص القرآني الجليل.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
المجاز العقلي في إسناد الوصف إلى الألسن: {تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} جعل الألسن كأنها هي الفاعلة الواصفة مبالغة في تلبسهم بالكذب وجرأة ألسنتهم عليه.
التنكير في {حَلَالٌ} و{حَرَامٌ}: للدلالة على شيوع أحكامهم الجاهلية وافتقارها إلى أي ضابط أو مرجعية.
الإشارة والتدبر: القول على الله بلا علم من أعظم الموبقات؛ بل رتبه الإمام ابن القيم فوق الشرك في مراتب الذنوب لقوله تعالى: {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}؛ لأن المشرك يعصي في جزئية، والمفتري يفسد أصل الشريعة برمتها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: خطورة التسرع في الفتوى بغير علم؛ والواجب على الدعاة والمعلمين أن يقولوا "لا أدري" فيما لا يعلمون، وأن يربطوا الناس بمصادر الوحي المعصومة.
التوجيه التربوي: تربية النفوس على هيبة الحلال والحرام، والحذر من التهاون في إطلاق الأحكام الشرعية جزافاً في المجالس والشبكات العامة.
الأثر الوجداني: يرتعد قلب المتقي عند سماع هذه الآية خشية أن يزل لسانه بكلمة تنسب إلى دين الله ما ليس منه، فيلزم الصمت والتورع والرجوع إلى أهل العلم والرسوخ.