تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يخبر عن إحاطة علمه وكمال قدرته على إقامة القيامة؛ والمعنى: ولله وحده لا لأحد سواه علم ما غاب عن أبصار العباد وخفي في السموات والأرض مما استأثر بعلمه؛ وما شأن القيامة والبعث بعد الموت في سرعته وسهولته على قدرة الله ونفاذ مشيئته إلا كمثل لمح البصر بالعين بطرفة واحدة، بل هو أقرب من ذلك وأسرع؛ إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله تعالى يقرر علمه الكامل بالغيب وقدرته التامة على بعث الخلائق؛ فكما تفرد بعلم غيب السماوات والأرض الذي لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فكذلك تفرد بالقدرة على إقامة الساعة؛ فأمر إحيائهم جميعاً كأمر نفس واحدة، لا يحتاج إلا إلى كلمحة بصر أو أقرب من ذلك، كما قال تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، وقوله: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«اللمح»؛ فاللمح هو النظر السريع واختلاس البصر في طرفة عين؛ وقوله: {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} ليس للشك في حق الله، وإنما هو للتقريب لأفهام المخاطبين؛ أي في تقديركم ونظركم هو كلمح البصر بل أقرب من ذلك في الحقيقة والواقع، كقوله تعالى: {أَوْ يَزِيدُونَ}.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تجمع بين عموم علم الله لكل غائب ومستور، وبين كمال قدرته التي لا تكلفه جهداً ولا وقتاً؛ فالساعة التي يستبعدها الكفار هينة يسيرة جداً على الله، تحل بكلمة واحدة وأسرع من ومضة عين، لكمال قدرته سبحانه على كل شيء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
غَيْبُ: الغيب ما غاب عن الحواس وعن علم المخلوقين واستأثر الله به.
السَّاعَةِ: القيامة، وسُميت ساعة لسرعة مجيئها وحسابها، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة خاطفة.
كَلَمْحِ الْبَصَرِ: اللمح اختلاس النظر السريع وطرفة الجفن.
أَوْ هُوَ أَقْرَبُ: «أو» هنا للإضراب بمعنى «بل»، أو للتخيير والتقريب في مدارك السامعين.
إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ: «إِلَّا» أداة حصر وقصر، الكاف حرف جر وتشبيه، «لَمْحِ» اسم مجرور بالكاف وشبه الجملة في محل رفع خبر المبتدأ «أَمْرُ»، «الْبَصَرِ» مضاف إليه مجرور.
أَوْ هُوَ أَقْرَبُ: «أَوْ» حرف عطف يفيد الإضراب (بمعنى بل) أو التخيير والتقريب، «هُوَ» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، «أَقْرَبُ» خبر المبتدأ مرفوع بالضمة (ممنوع من الصرف)، والجملة معطوفة على ما قبلها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما أثبت في المثلين السابقين كمال التوحيد وبطلان الشرك بالبراهين العقلية، كان المشركون يجادلون في ميعاد القيامة ويستبعدون جمع العظام ونشور الخلائق؛ فجاءت الآية لتقرر أن وقت الساعة غيب لا يعلمه إلا الله، وأن وقوعها يسير خاطف كلمح البصر، لقطع مادتهم من الجدل في التوقيت وحثهم على الاستعداد.
الارتباط بأسماء الله وصفاته: جمعت الآية بين أصلين عظيمين: «سعة العلم» بالغيب، و«كمال القدرة» على الخلق والبعث؛ لتنهدم كل أركان الشبهات المنكرة للقيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة معنى «أو» في قوله {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} وهل تفيد الشك؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الشك مستحيل في حق الله العليم الخبير المحيط بكل شيء؛ واستعمال «أو» في لسان العرب والقرآن يخرج لأغراض بلاغية جليلة، منها:
الإضراب والترقي بمعنى «بل»؛ كأنه قال: بل هو أقرب من لمح البصر في نفاذ القدرة التكوينية؛ لأن القدرة لا تحتاج إلى حركة جفن ولا ارتداد طرف، بل هي كلمة «كن» فيكون.
مراعاة مدارك البشر؛ فإن أسرع ما يدركه الإنسان بحواسه هو لمح البصر وطرفة العين، فقرب الله الأمر لأفهامهم بما يعرفونه من السرعة الخاطفة، ثم بين أن سرعة نفاذ أمره في الحقيقة تتجاوز كل مقاييس الحركة والزمن البشري: {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}.
الإشارة والتدبر الإيماني: قصر عمر الدنيا وسرعة مباغتة الآخرة؛ فبين حياة العبد وبعثه ومواجهته لربه طرفة عين ولمحة بصر، فالعاقل من لا يغتر بطول الأمل ولا يؤجل التوبة لساعة أخرى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: إيقاظ الوعي بيوم القيامة والبعث؛ فالغفلة عن قرب الساعة داء يبلد المشاعر، واستشعار مباغتتها يحفز الهمم نحو الصالحات.
التطبيق العملي: ترك الخوض في مواعيد القيامة وعلاماتها برجم الغيب والتخرص، والتركيز على العمل والاستعداد لها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الساعة: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟».
الوجدان الإيماني: الهيبة والوجل من جلال القدرة الإلهية المطلقة، والاستسلام التام لرب يعلم خفايا الغيوب ويحكم بما يشاء في طرفة عين.