يخبر الله تبارك وتعالى عما كافأ به نبيه إبراهيم عليه السلام على شكره وقنوته وتوحيده؛ حيث جمع له بين حسنة الدنيا من الذكر الجميل، والذرية الصالحة، وسعة الرزق، وبين علو الدرجات في الآخرة بكونه في أعلى منازل الصالحين المقربين.
تفسير الطبري (14/ 367)مصدر غير محدد١٤/٣٦٧: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والحسن والسدي أن حسنة الدنيا التي آتاها الله إبراهيم تشمل: لسان الصدق والثناء الحسن في سائر الأمم؛ فليس من أهل ملة (مسلمون، ويهود، ونصارى) إلا وهم يتولونه ويحبونه ويثنون عليه، مع ما رزقه الله من الولد الصالح من الأنبياء والمرسلين والمال والرزق والمنزلة الرفيعة.
تفسير ابن كثير (4/ 612)مصدر غير محدد٤/٦١٢: يقرر ابن كثير أن الله جمع لإبراهيم خير الدنيا وسعادة الآخرة؛ ففي الدنيا أعطاه النبوة والحكمة والولد الصالح وجعل في ذريته النبوة والكتاب وأعطاه الرزق الطيب والثناء العاطر، وفي الآخرة هو مع سادات النبيين والمرسلين في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
القرطبي (10/ 200)مصدر غير محدد١٠/٢٠٠: يذكر القرطبي أن وصفه بالصلاح في الآخرة إشارة إلى الدرجة العليا التي وعد الله بها عباده الصالحين، وهي دار الكرامة الدائمة التي لا تنقطع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الحسنة: كل ما يسر الإنسان ويسعده في دينه ودنياه، وتشمل العافية والثناء والرزق والأولاد الصالحين.
الصالحون: الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم واستقاموا على أمر الله، والصلاح في الآخرة هو الفوز بالنعيم والنجاة من العذاب والحلول في منازل المقربين.
إعراب {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً}:
الواو عاطفة، {آتَيْنَاهُ}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) ضمير متصل فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول.
{فِي الدُّنْيَا}: جار ومجرور متعلق بـ {آتَيْنَاهُ} أو بحال محذوفة من حسنة.
{حَسَنَةً}: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
الواو عاطفة، {إِنَّهُ}: {إِنَّ} حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها.
{فِي الْآخِرَةِ}: جار ومجرور متعلق بالصالحين أو بخبر إن.
{لَمِنَ الصَّالِحِينَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، {مِنَ}: حرف جر، {الصَّالِحِينَ}: اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور في محل رفع خبر {إِنَّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع بين عاجل الجزاء وآجله: كافأ الله خليله بإفاضة الخيرين عليه: الجزاء المعجل في دار التكليف إكراماً واستجابة لدعائه: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ}، والجزاء الآجل الأبدي في دار الجزاء.
التنكير في {حَسَنَةً}: للإطلاق والتعظيم؛ لتشمل كل ما تصبو إليه النفس المؤمنة من طيب الحياة وكرامة المنزلة وطيب الذكر والذرية النبوية.
التوكيد بـ {إِنَّ} واللام في الآخرة: تأكيداً لمقامه الأخروي الأبدي الذي لا يدانيه نقص، وتثبيتاً لقلوب المؤمنين بأن ما ينتظر أهل التوحيد في الآخرة مقطوع به ومؤكد بأقوى وسائل التوكيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وصف الخليل بـ {لَمِنَ الصَّالِحِينَ} مع كونه نبياً رسولاً وخليلاً:
قد يظن البعض أن مرتبة "الصالحين" أدنى من مرتبة "الأنبياء"، فكيف يثنى على الخليل بأنه من الصالحين؟
الجواب والتحقيق المعرفي: وصف الصلاح هنا ليس مجرد نفي الفساد، بل هو غاية الغايات ومطمح الأنبياء والمرسلين؛ ولهذا دعا يوسف عليه السلام فقال: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}، ودعا سليمان فقال: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}؛ فالصلاح إذا أطلق في الآخرة انصرف إلى أعلى درجات الفائزين برضوان الله المقربين في الفردوس الأعلى، وإبراهيم في مقدمة هؤلاء وسيد من ساداتهم.
المقابلة التناظرية بين {فِي الدُّنْيَا} و{فِي الْآخِرَةِ}: استيعاب للزمانين والدارين، لإفادة أن الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص لا يحرمان العبد من خير الدنيا، بل يجمعان له سعادة الحياتين.
التعبير بصيغة الجمع في {آتَيْنَاهُ}: لإظهار عظمة المعطي وجلال العطاء الإلهي.
الإشارة والتدبر: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ ترك إبراهيم قومه ودياره وأبيه وعشيرته لله، فعوضه الله لسان صدق في الأولين والآخرين، وألويته تخفق بالثناء في مشارق الأرض ومغاربها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: بيان أن التمسك بالحق والتضحية في سبيله لا يضيعان عند الله أبداً؛ بل يعقب ذلك النصر والتمكين والثناء العاطر في الدنيا قبل الآخرة.
التوجيه التربوي: تشجيع الناشئة على التطلع إلى معالي الأمور والاجتهاد في تحصيل خصال الصلاح؛ فالصلاح هو الباقي عند الله وأنفع المكاسب يوم القيامة.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن استبشاراً وثقة بوعد الله، ويلهج بالدعاء النبوي الجامع: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».