تفسير الطبري (جامع البيان): يروي الإمام الطبري (ت 310 هـ) بإسناده سبب نزول هذه الآية عن أبي العالية ومجاهد؛ حيث كان لرجل من المسلمين دَين على رجل من المشركين، فلما طالبه قال المشرك: لئن لم تقضني في الدنيا فلا أقضيك في الآخرة! فقال المسلم: بلى سيبعثك الله ويقضيني حقي! فحلف المشرك بالله أغلظ أيمانه: {لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ}؛ فأنزل الله رداً عليه وتكذيباً له: {بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}؛ أي بلى ليبعثنهم الله بعد موتهم، وعداً وعده عباده لا يخلفه لأنه حق وصدق، ولكن أكثر الناس يجهلون قدرة الله وحكمته.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن المشركين بلغ بهم الإنكار للبعث والنشور أن حلفوا بأغلظ الأيمان وأعظمها ثقة بإنكارهم وجهلاً بقدرة بارئهم، فاستبعدوا إعادة الأجساد بعد أن تصير تراباً ورفاتاً؛ فرد الله عليهم بكلمة الإضراب والإبطال {بَلَىٰ}؛ أي بلى سيبعثهم الله حتماً، وهو وعد لازم على نفسه الكريمة تفضلاً وعدلاً، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون كمال قدرته التي أبدعت السماوات والأرض من العدم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أن قوله: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي غاية أيمانهم وأوكدها، وكانوا إذا أرادوا توكيد اليمين حلفوا بالله جهد اليمين. ويبين أن {بَلَىٰ} حرف إيجاب وتصديق لنفي ما تقدم؛ فتقدم نفي البعث فجاءت بلى لإثباته وتوكيده.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر السعدي أن إنكار البعث هو أصل كفر الكافرين وجرأتهم على المعاصي والشرك؛ فلما كذبوا بالجزاء أقسموا على نفيه مبالغة في العناد، فأبطل الله قسمهم وأكد أنه وعد حق لا ريب فيه؛ فلو تفكروا في النشأة الأولى لعلموا أن الإعادة أهون في القياس العقلي من الابتداء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
أَقْسَمُوا: القسم هو الحلف واليمين بالله لإثبات شيء أو نفيه.
جَهْدَ: الجهد بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة، والمراد هنا غاية ما يبلغونه من توكيد الأيمان وتغليظها.
بَلَىٰ: حرف جواب يختص برد النفي وإبطاله وإثبات نقيضه.
التوجيه الإعرابي:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ: الواو استئنافية، «أَقْسَمُوا» فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، «بِاللَّهِ» جار ومجرور متعلق بـ«أَقْسَمُوا».
جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ: «جَهْدَ» مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة نائب عن المصدر (أي: أقسموا إقساماً بالغاً جهد أيمانهم)، أو منصوب على الحالية، وهو مضاف، و«أَيْمَانِهِمْ» مضاف إليه مجرور، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ: «لَا» نافية، «يَبْعَثُ» فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، «اللَّهُ» فاعل مرفوع، «مَن» اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به، وجملة «يَمُوتُ» صلة الموصول، وجملة النفي جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
بَلَىٰ: حرف جواب وإبطال لما قبله مبني على السكون لا محل له من الإعراب، والتقدير: بلى يبعثهم.
وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا: «وَعْدًا» مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره (وعد ذلك وعداً)، «عَلَيْهِ» جار ومجرور متعلق بنعت لـ«وَعْدًا» أو بـ«حَقًّا»، «حَقًّا» نعت ثانٍ لـ«وَعْدًا» أو مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة تقديره (حق ذلك حقاً).
وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ: الواو عاطفة أو حالية، «لَٰكِنَّ» حرف مشبه بالفعل يفيد الاستدراك، «أَكْثَرَ» اسمها منصوب بالفتحة، «النَّاسِ» مضاف إليه مجرور، وجملة «لَا يَعْلَمُونَ» في محل رفع خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما ذكر الله في الآية السابقة أن المشركين لا ناصر لهم من عذاب الله إذا نزل بهم، ناسب ذكر شبهتهم العظمى التي جرتهم إلى الاستهانة بالوعيد؛ وهي إنكارهم للبعث والحساب وقطعهم بعدم وقوعه بأغلظ الأيمان؛ فجاء الرد عليهم حاسماً ببطلان ظنهم وتأكيد القيامة كحق محتوم.
التناسب مع الدلائل الكونية في السورة: تتسق هذه الآية مع عرض مظاهر الخلق والإحياء في سورة النحل (كإنزال الماء وإحياء الأرض بعد موتها)؛ فالذي يحيي الأرض الهامدة قادر بالأولى على بعث الأجساد البالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد إعادة الأجساد البالية بعد التحلل: زعم منكري البعث أن تحول الجسد إلى تراب وتفرقه في الأرض يمنع عقلاً من عودته كائناً حياً من جديد.
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى: البدء أعجب عقلاً من الإعادة؛ فالذي خلق الإنسان من العدم ومن نطفة مذرة ولم يكن شيئاً مذكوراً، أهون في ميزان العقل أن يعيده بعد موته وتفرقه؛ كما قال تعالى في سورة الروم: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}.
كمال العلم والقدرة الإلهية: تفرق الذرات لا يعجز العليم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء؛ فهو يعلم ما تنقص الأرض منهم وعنده كتاب حفيظ، وقدرته طليقة لا يمتنع عليها جمع المتفرقات ونفخ الأرواح فيها من جديد.
تصوير غلوهم في الجهل والإنكار بالتعبير بـ{جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}؛ لإبراز مدى التعنت والعناد في قلوبهم حيث استفرغوا وسعهم في الحلف على الباطل.
استخدام حرف الردع والإبطال {بَلَىٰ} مفرداً في مطلع الرد، بما يحمله من صدمة قاطعة لإنكارهم وإثبات فوري للبعث.
تأكيد الوعد بالمصادر المنصوبة {وَعْدًا} و{حَقًّا}، وإسناد الوجوب بـ«على» في {عَلَيْهِ} لبيان أن هذا الوعد قد أوجبه الحق سبحانه على نفسه بفضله وحكمته، فلا يتخلف أبداً.
الإشارة والتدبر الإيماني: أعظم أسباب الشقاء في الأرض الجهل بالله وقدرته وعظمته؛ فلو عرف المشركون ربهم حق المعرفة لما حلفوا على عجز خالقهم عن بعثهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ عقيدة البعث والجزاء في النفوس؛ لأنها المحرك الحقيقي للضمير البشري، وبدونها يستحل الإنسان الظلم والشهوات ويتحلل من كل وازع أخلاقي.
التطبيق العملي: تعظيم أيمان الله وعدم الحلف به إلا في الحق، والحذر من التكذيب بالغيبيات الثابتة في الوحي بمجرد قلة الإدراك الحسي القاصر.
الوجدان الإيماني: اليقين الجازم بلقاء الله والوقوف بين يديه، والشعور بعظمة الوعد الإلهي الحق الذي لا يتبدل، مما يدفع المؤمن للعمل الصالح استعداداً ليوم النشور.