تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يجدد التحذير والنهي المشدد عن جعل الأيمان خديعة وغدراً؛ والمعنى: ولا تجعلوا أيمانكم ومواثيقكم مفسدة وخيانة بينكم تغرون بها الناس، فتقعوا في المهلكة العظمى؛ فتزل أقدامكم عن جادة الحق والإسلام بعد أن كانت ثابتة مستقيمة راسخة؛ ومثل ذلك كمثل من كان قائماً على أرض ملساء زلقة فزلت قدمه فهوى في مهواة الردى؛ وتذوقوا العذاب وسوء الحال في الدنيا بما صددتم أنفسكم وغيركم عن دين الله وعن الوفاء بعهده، ولكم في الآخرة عذاب عظيم خالد.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذا تحذير بالغ وتأكيد ثانٍ للنهي عن استخدام الأيمان وسيلة للغدر والمكر؛ لأن الغادر إذا حلف بالله ثم نقض عهده، كان سبباً في تنفير الناس عن الدخول في الإسلام؛ فيقول الكافر: «لو كان هذا الدين حقاً لما غدر أهله!»؛ فصار الناكث للعهد صاداً عن سبيل الله بفعله وخيانته، فاستحق أن يذوق السوء في الدنيا وأن يُعد له عذاب عظيم في الآخرة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) الاستعارة التمثيلية البديعة في قوله: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا}؛ فبين أن «الزلل» هو دحوض القدم وميلها عن الموضع الثابت وسقوط صاحبها، وأصله في المشي على الوحل؛ فاستعير هنا للانتقال من الإيمان والهدى والوفاء إلى الكفر والضلال والغدر؛ ونكر «قدم» لبيان أن زلل قدم واحدة مهلك، فكيف بزلل الأقدام الكثيرة؟!
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تكشف الآثار الكارثية للغدر ونقض العهود؛ فالغدر يسقط صاحبها من عين الله وعين خلقه، ويجعله سبباً في تشويه الدين وصد الناس عن الحق؛ فرتب عليه ثلاث عقوبات: زلل القدم والانتكاس بعد الثبات، وتجرع السوء والذل في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
دَخَلًا: الخديعة والمكر والفساد والغل الدخيل في الشيء.
فَتَزِلَّ: الزلل الانزلاق والدحوض والسقوط عن موضع الاستقرار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: تكرار النهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} بعد وروده في الآية (92) ليس تكراراً مجرداً، بل هو توكيد مغلظ وتأسيس لبيان العواقب الوخيمة المترتبة على هذا الجرم؛ ففي الآية (92) شبه الفاعل بالحولاء الناقضة لغزلها، وهنا صور الكارثة الميدانية التي تحل به: سقوط وانزلاق بعد رسوخ، وصد عن سبيل الله، وعذاب عظيم في الدارين.
التناسب الإيقاعي والمجازي: النظم يرسم لوحة حية ومفزعة لسقوط الإنسان بعد تمكنه؛ حركة انزلاق القدم السريعة {فَتَزِلَّ قَدَمٌ} تعبر عن الهبوط المريع من قمة العزة والأمانة إلى مهاوي الخيانة والدمار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا نكرت لفظة {قَدَمٌ} بالإفراد مع أن الخطاب لجماعة المكلفين {تَتَّخِذُوا}؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
تنكير «قدم» وإفرادها يحمل نكتتين بلاغيتين معجزتين:
الأولى: «الشمول والاستغراق»؛ أي فتحذروا أن تزل أي قدم كانت، فزلل قدم واحدة لشخص واحد في الغدر قد يسقط مصداقية أمة بأسرها ويشوه سمعة الدين كله.
الثانية: «التهويل والتحذير»؛ فإذا كانت زلة قدم واحدة فيها هذا الخطر والهلاك العظيم، فكيف بمن تزل أقدامهم جميعاً ويكون الغدر ديدناً وسلوكاً شائعاً بينهم؟!
الاستعارة التمثيلية المحسوسة في {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا}؛ لنقل المعنى المجرد (وهو الانتكاس والردة بعد الإيمان) إلى صورة حسية مشهودة ومخيفة لرجل زلت قدمه فهوى من شاهق بعد أن كان واثق الخطوة ثابتاً.
الاستعارة المكنية في {وَتَذُوقُوا السُّوءَ}؛ حيث جسد السوء والألم طعاماً مراً كريهاً يتجرعه الغادر غصة بعد غصة في الدنيا.
إطلاق الصد {بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} لبيان أن سوء خلق المتدينين وخيانتهم للعهود هو في حقيقته صد عملي للناس عن الإسلام؛ فالناس ينظرون إلى سلوك المسلم قبل أن يستمعوا إلى كلامه.
الإشارة والتدبر الإيماني: الخوف من سوء الخاتمة وزلل القلب بعد هدايته؛ فالمؤمن الصادق يلهج دائماً بالدعاء: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا»؛ لأن الانتكاس بعد الاستقامة أعظم المصائب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: إدراك خطورة المسؤولية الدعوية لسلوك المسلم؛ فالمسلم سفير لدينه بأخلاقه وأمانته، وكل غدر أو كذب يصدر منه يحسبه الجاهلون على الإسلام، فيكون شريكاً في الصد عن سبيل الله.
التطبيق العملي: الالتزام الصارم بالصدق والوفاء في التجارة والدبلوماسية والعلاقات الدولية، وتجنب كل مكر أو خديعة في المعاهدات.
الوجدان الإيماني: الوجل والرهبة من الانتكاس، والحرص على رسوخ القدم في طاعة الله، والاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.