تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يؤدب نبيه وعباده المؤمنين بأدب التلاوة والاعتصام بربه؛ والمعنى: فإذا أردت يا محمد أن تقرأ القرآن وشرعت في تلاوته، فاستجر بالله واستعذ به وتحصن بحماه من شر الشيطان المطرود المرجوم الملعون؛ لئلا يوسوس لك في قراءتك أو يلبس عليك أو يصد قلبك عن تدبر آيات ربك والانتفاع بهديه؛ وصيغة الاستعاذة المشهورة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، وقيل: «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ».
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن معنى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} أي إذا أردت القراءة، كقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} أي إذا أردتم القيام؛ والاستعاذة عند جمهور العلماء مستحبة وقيل واجبة في أول كل قراءة؛ والحكمة في الاستعاذة قبل القراءة أن القرآن شفاء لما في الصدور وهدى، والشيطان حريص أشد الحرص على التشويش على القارئ والوسوسة له ليحرمه بركة التدبر والخشوع؛ فأمر القارئ بطرده والاعتصام بالله قبل الدخول في محراب التلاوة ليصفو قلبه لنور الوحي.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يبين القرطبي (ت 671 هـ) مسائل فقهية مستفيضة في الاستعاذة؛ فبين أن معناها: استجرت بالله واعتصمت به ولجأت إلى كنفه من شر هذا العدو؛ و«الرجيم» فعيل بمعنى مفعول، أي المرجوم المطرود المبعد من رحمة الله والملقى بالشهب والشياطين؛ ويذكر القرطبي خلاف الفقهاء في حكمها ومحلها وهل يجهر بها في الصلاة أم يسر، ورجح استحبابها قبل القراءة سراً في الصلاة، وجهراً في مجالس التعليم والتلاوة.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن الاستعاذة عبادة عظيمة تتضمن اعتراف العبد بعجزه وضعفه وفقره إلى حماية ربه، واعترافاً بقدرة الله وعزته وحمايته لأوليائه من كيد أعدائهم؛ فإذا لجأ العبد بصدق إلى الله طرد الشيطان عنه وأقبل على كلام ربه بقلب حاضر متدبر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
فَاسْتَعِذْ: الاستعاذة طلب العوذ واللجوء والاعتصام والتحصن، والسين والتاء للطلب.
الشَّيْطَانِ: من شطن إذا بعد عن الحق وعن رحمة الله، أو من شاط يشيط إذا احترق وهلك غضباً وشراً.
الرَّجِيمِ: المرجوم، فعيل بمعنى مفعول؛ والرجم الرمي بالحجارة والشهب، والمراد هنا الطرد والإهانة والإبعاد من كل خير.
التوجيه الإعرابي:
فَإِذَا قَرَأْتَ: الفاء فصيحة، «إِذَا» ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، «قَرَأْتَ» فعل ماض مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتاء فاعل، والمقصود (أردت القراءة).
الْقُرْآنَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
فَاسْتَعِذْ: الفاء رابطة لجواب إذا، «اسْتَعِذْ» فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والجملة جواب شرط إذا لا محل لها من الإعراب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما ذكر الله في الآية السابقة (97) أن العمل الصالح مع الإيمان يثمر الحياة الطيبة، وكان القرآن العظيم هو الدستور والمرشد الأكبر لكل عمل صالح وإيمان، وكان الشيطان هو العدو المتربص المفسد لحياة الإنسان الصالحة؛ أمر الله قارئ هذا الكتاب الخاتم أن يبدأ بالاستعاذة ليطهر وعاء قلبه من كيد الشيطان ووساوسه قبل أن يتلقى أنوار القرآن.
الارتباط الدقيق بالآيتين اللاحقتين (99-100): جاء التوجيه بالاستعاذة تمهيداً لبيان حدود سلطان الشيطان؛ فالشيطان لا سلطان له على أهل الإيمان والتوكل، وإنما سلطانه على من تولاه وأشرك به.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا عبر بصيغة الماضي {فَإِذَا قَرَأْتَ} والمطلوب الاستعاذة قبل القراءة؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
هذا أسلوب عربي قرآني رفيع؛ حيث يعبر بالفعل الماضي عن إرادة الفعل والشروع فيه؛ كقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة؛ وقوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ}؛ فالمعنى: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله قبله.
وذهب قلة من السلف (كالنخعي وداود الظاهري) إلى أن الاستعاذة بعد الفراغ من القراءة حملاً على ظاهر اللفظ لدفع العجب بالعمل؛ ولكن جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء على أن محلها قبل القراءة؛ لأن الاستعاذة طهارة للسان والقلب ودفع لوساوس الشيطان أثناء التلاوة، فالمقدم أولى بالدفع من المؤخر.
صيغة الأمر {فَاسْتَعِذْ} الدالة على الوجوب أو الاستحباب المؤكد، لإشعار القارئ بعظم المعركة الروحية بين نور الوحي وظلمات إبليس.
الجمع بين اسم الجلالة {بِاللَّهِ} ووصف الشيطان بـ{الرَّجِيمِ}؛ لإبراز التفاوت المطلق بين كمال القوة والعزة الإلهية وبين منتهى الذل والهوان والشؤم الذي يتصف به الشيطان الرجيم.
الإشارة والتدبر الإيماني: طهارة الباطن قبل تلاوة القرآن؛ فكما لا يمس المصحف إلا طاهر الجسد بالوضوء، فكذلك لا يتذوق حلاوة القرآن ولا ينتفع بهداه إلا قلب طهر نفسه بالاستعاذة واللجوء إلى الله من وساوس الشيطان ومشاغله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تعويد المسلم على دوام التحصن بالاستعاذة في سائر أحواله؛ عند الغضب، وعند قراءة القرآن، وعند دخول الخلاء، وعند نزول الوساوس؛ ليعيش دائماً في حصن الله المنيع.
التطبيق العملي: ملازمة قول «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» عند الشروع في تلاوة القرآن الكريم، واستحضار معناها القلبي بالافتقار إلى حماية الله.
الوجدان الإيماني: الالتجاء والفرار إلى الله؛ فالشيطان عدو خفي لا يراه الإنسان، ولا يقدر على دفع شره الخفي إلا الخالق العليم الذي يراه ولا يرى.