ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ
بينت الآية الكريمة أن عذاب المشركين المستكبرين لا يقتصر على هلاكهم الدنيوي، بل يتبعه العذاب الأخروي الأكبر؛ حيث يذلهم الله ويخزيهم على رؤوس الأشهاد، ويسألهم سؤال تقريع وتبكيت عن آلهتهم وأوثانهم التي كانوا يعادون الرسل ويخاصمون المؤمنين من أجلها، فيشهد أهل العلم من الملائكة والأنبياء والمؤمنين بحلول الهوان والعذاب المقيم على الكافرين. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} قالوا: "يخزيهم: أي يذلهم ويفضحهم بالعذاب والنار؛ {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} أي: أين الأصنام والآلهة التي كنتم تخالفون فيها الأنبياء، وتحاربون المؤمنين وتعادونهم وتخاصمونهم في عبادتها؟ فليدفعوا عنكم اليوم عذاب الله إن كانوا آلهة! {قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} وهم الملائكة والأنبياء والعلماء المؤمنون: {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي: الهوان والذل والعذاب والنار اليوم محيطة بالجاحدين". وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: "تشاقون فيهم: أي تعادون فيهم أولياء الله ورسله وتخاصمون في شأنهم". وقال الإمام القرطبي: "المشاقة: المعاداة والمخالفة؛ مأخوذة من الشِّق؛ لأن كل واحد من الخصمين في شق وجانب غير شق صاحبه؛ وأهل العلم في الموقف ينطقون بالحق اعترافاً بعدل الله وإقراراً ببطلان ما كان عليه الكفار".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التنسيق ينقل المشهد من دمار البنيان في الدنيا في الآية السابقة إلى محكمة العدل الإلهية الكبرى في الآخرة: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ}. واستعمال كلمة {يُخْزِيهِمْ} يتناسب تماماً مع استكبارهم السابق في الدنيا {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}؛ فالذي تعالَى وتكبر في الدنيا لا يكتفي الله بعذابه الجسدي، بل يقدم إخزاءه وإذلاله النفسي وفضيحته على رؤوس الأشهاد. ثم جاء السؤال التقريعي التهكمي: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ}؛ ليبرز غياب تلك الأصنام وتبرؤ الشركاء وعجزهم عن تقديم أدنى عون لعابديهم. ثم أشرقت شهادة أهل العلم: {قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ}؛ لبيان أن القيمة الحقيقية يوم القيامة هي لـ "أهل العلم والإيمان" الذين كانوا مستضعفين في الدنيا، فينطقون بكلمة الفصل والعدل.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. شرف العلم الشرعي ومنزلة العلماء: تكريم أهل العلم الراسخين؛ حيث جعلهم الله شهداء على الخلائق يوم القيامة، مما يوجب توقير العلم ولزوم أهله. 2. عاقبة العداء لأولياء الله: التحذير من مشاقة الصالحين ومحاربة الدعاة إلى التوحيد؛ فمن شاق أولياء الله حاق به الخزي والسوء في يوم الجمع الأكبر. 3. التحرر من التبعية العمياء للأنداد: التبرؤ من كل طاغوت وشريك في الدنيا قبل أن يأتي يوم يخذل فيه كل متبوع تابعه ويلقى الجميع في سعير.